
في السياسة، كما في عروض السيرك، هناك دائماً من يُصفّق دون أن يدرك أن العرض ليس حقيقياً.
اليوم، يقف المشهد الفلسطيني أمام عرضٍ جديد، أبطاله دونالد ترامب ونتنياهو، وضيفه “الواقعي الحذر” حركة حماس.
فبعد أكثر من عام على حربٍ دموية حوّلت غزة إلى أنقاض ورماد، يُطل الثنائي الأميركي–الإسرائيلي بخطةٍ تُسوّق على أنها “فرصة سلام تاريخية”، بينما يراها كثيرون مجرد نسخة مُحدثة من مشروع “السلام الاقتصادي” الذي يفرغ القضية من معناها السياسي.
اللافت أن حماس، التي لطالما رفضت المبادرات الغربية باعتبارها غطاءً للتطبيع أو التفكيك، وافقت هذه المرة على عدة بنود من الخطة، أبرزها الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين وقبول إدارة تكنوقراطية للقطاع.
لكنها لم تُبدِ أي نية لنزع سلاحها أو الانسحاب من المشهد السياسي الفلسطيني.
هذه المرونة المفاجئة لا تعني تبدّلاً في العقيدة بقدر ما تعكس براغماتية مضبوطة بإيقاع الميدان إذ تعرف حماس أن من يفاوض من موقع القوة يكتب الشروط، ومن يفاوض من تحت الركام يبحث عن هواءٍ للبقاء.
“مجلس السلام”.. الإدارة بالوصاية الدولية
خطة ترامب ونتنياهو لا تحمل فقط بصمات واشنطن وتل أبيب، بل تُعيد إنتاج مفهوم “الوصاية السياسية” على غزة.
تتحدث الخطة عن تشكيل “مجلس سلام” برئاسة ترامب، يضم شخصيات دولية مثل توني بلير، لمراقبة “اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية” التي ستدير غزة.
على الورق يبدو المشهد منظماً ومبشّراً بالاستقرار، لكنّ ما بين السطور هو جوهر اللعبة: استبدال الاحتلال المباشر باحتلالٍ إداري مُجمَّل.
هذا “المجلس” لا يضم فلسطينياً واحداً، ومع ذلك سيشرف على كل شيء من الإعمار إلى التوظيف، ومن الأمن إلى الانتخابات.
بمعنى آخر، القرار الفلسطيني سيكون محكوماً بختم ترامب ومزاج بلير.
وإذا أضفنا إلى ذلك استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي “المؤقت” في القطاع إلى حين تشكيل “قوة استقرار دولية”، فسنكتشف أن كلمة “مؤقت” هنا تشبه كلمة “الانتقالية” في التجارب العربية السابقة: مرحلة لا تنتهي أبداً.
إنها نسخة مكررة من التجارب التي عرفناها في البوسنة والعراق ولبنان: حكمٌ من وراء الزجاج، تُدار فيه الأزمات بدل حلها، ويُستبدل الاحتلال الصريح بإدارةٍ متعددة الجنسيات تملك كل المفاتيح.
بهذا المعنى، لا يختلف “مجلس السلام” كثيراً عن “مجلس الوصاية” الذي كان يدير المستعمرات قبل قرن من الزمن، فقط بأدوات أكثر أناقة.
غزة بلا سلاح.. أمنٌ لإسرائيل لا سلامٌ للفلسطينيين
أكثر بنود الخطة إثارةً للجدل هو شرط نزع سلاح حماس والفصائل الفلسطينية.
من حيث المبدأ، يبدو ذلك مطلباً منطقياً في أي اتفاق سلام، لكن حين تكون الدولة المقابلة (إسرائيل) ما زالت تحتل الأرض وتقتل المدنيين يومياً، يصبح “نزع السلاح” مرادفاً لـ“نزع الحماية”.
بحسب استطلاع للرأي أُجري في مايو الماضي، رفض 77% من الفلسطينيين فكرة نزع سلاح المقاومة، وأكد 80% منهم أن إسرائيل لن تنسحب من غزة حتى لو جُرّدت حماس من قوتها العسكرية.
هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن موقف سياسي، بل عن وعي جمعي بأن إسرائيل لا تفهم إلا لغة القوة.
ففي كل مرة تُطرح فيها مبادرة “نزع السلاح مقابل الإعمار”، يكون الرد الإسرائيلي المزيد من القصف، والمزيد من الحصار، والمزيد من الاستيطان في الضفة الغربية.
الحديث عن “سلامٍ دائم” بينما الطائرات الإسرائيلية تحلّق فوق غزة ليس إلا محاولة لبيع الوهم.
فالأمن لا يُبنى على نزع السلاح من الضحية، بل على كبح المعتدي.
وحتى اللحظة، لم تتعهد إسرائيل بأي التزام لوقف الاستيطان أو رفع الحصار، ما يجعل الخطة أقرب إلى هدنةٍ تُفرض بالقوة لا تُنتزع بالتفاوض.
السلطة الفلسطينية.. بين الإنعاش السياسي وفقدان الشرعية
منح الخطة للسلطة الفلسطينية فرصة العودة إلى غزة لا يعني إحياءها، بل إخضاعها لعملية “إصلاح مشروطة” تُشرف عليها الولايات المتحدة.
تبدو السلطة هنا كجهازٍ سياسي يحتاج إلى إنعاشٍ خارجي بعد أن فقد النبض الشعبي.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن السلطة قد تُعاد إلى غزة على نحوٍ يجعلها شريكاً شكلياً في إدارة الاحتلال لا ممثلاً حقيقياً للشعب الفلسطيني.
نتنياهو، في تصريحاته الأخيرة، قال بوضوح إن غزة المستقبل “لن تخضع لا لحماس ولا للسلطة الفلسطينية”، ما يضع الخطة أمام تناقض جوهري:
كيف يمكن بناء سلامٍ مستدام بينما تُقصى الأطراف الفلسطينية الفاعلة عن أي دور فعلي؟
إنها سياسة “التحييد بالقوة” أي جعل الفلسطينيين شهوداً على ترتيبات تخصّهم، دون أن يكون لهم صوت فيها.
النتيجة المتوقعة: مزيد من التفكك في الشرعية الفلسطينية.
ففتح التي تعاني من ضعف التأييد الشعبي (21%) لن تكسب شرعية إضافية بفضل دعم واشنطن، وحماس التي تحظى بنسبة 32% لن تُسلم السلاح وهي ترى الخطة تُقصيها، بينما تبقى الفصائل الصغيرة عاجزة عن ملء هذا الفراغ السياسي العميق.
بكلمات أخرى، الخطة لا تُوحد الفلسطينيين، بل تُعيد إنتاج الانقسام بوسائل جديدة.
بين الواقعية والمقاومة.. حماس تلعب على حافة التناقض
قبول حماس ببعض بنود الخطة لا يعني استسلامها، بل قراءة باردة للمشهد الدولي.
الحركة تدرك أن العالم تغيّر، وأن الشعارات الكبرى لم تعد تُقنع أحدًا.
لكنها في الوقت نفسه تُدرك أن التخلي عن السلاح يعني فقدان أهم ورقة ضغط تمتلكها، وأن الانسحاب من الحياة السياسية يعني انتحارًا استراتيجيًا.
لذلك يبدو موقفها الحالي أقرب إلى تكتيكٍ تفاوضي محسوب:
قبول مشروط يهدف إلى كسب الوقت واستثمار اللحظة الدبلوماسية لتخفيف الضغط الإنساني على القطاع، دون أن تتخلى عن دورها العسكري أو السياسي.
إنها تلعب على حافة التناقض:
تُظهر نفسها كطرفٍ براغماتي قابل للتسويات، لكنها تظل في عمقها حركة مقاومة لا تعترف بشرعية الاحتلال.
بهذا المعنى، يمكن قراءة “قبول بعض البنود” على أنه رسالة سياسية مزدوجة — للخارج تقول فيها: نحن لسنا حجر عثرة أمام السلام، وللداخل الفلسطيني تقول: لن نُسلّم غزة إلا بإجماع وطني لا بقرارات مفروضة من فوق الطاولة الأميركية.
غزة.. بين أطلال الحرب وأحلام الدولة
وراء لغة الدبلوماسية الباردة، هناك واقعٌ إنساني صارخ.
غزة اليوم مدينة محطّمة يعيش أكثر من مليوني إنسان بين الركام، بلا كهرباء منتظمة، وبمستويات بطالة تتجاوز 60%.
أي حديثٍ عن “خطة سلام” لا يبدأ من وقف الحرب ورفع الحصار هو تسويق للمعاناة لا علاج لها.
الناس في غزة لا يريدون مزيدًا من الشعارات، بل يريدون حياةً طبيعية، ماءً نظيفًا، مدارس لأطفالهم، ومستقبلاً لا تحدده صواريخ السماء.
لكن هذه الخطة لا تمنحهم شيئًا من ذلك؛ فهي تُبقي على الاحتلال بوجهٍ ناعم، وتؤجل العدالة إلى إشعارٍ غير معلوم.
بل إنها تحوّل “إعادة الإعمار” إلى ورقة ضغطٍ سياسية تُدار من واشنطن وتل أبيب.
في ظل هذا المشهد، يُدرك الفلسطيني العادي أن الخطر الحقيقي ليس فقط في الحرب، بل في السلام المُفرغ من المضمون — السلام الذي يجعل غزة تعيش في حالة “لاحرب ولاسيادة”، تمامًا كما تعيش مدنٌ أخرى في الشرق الأوسط تحت حكم المساعدات بدل حكم الإرادة.
سلام على المقاس الأميركي
بين “خطة ترامب” التي تتحدث عن الاستقرار، و”رؤية نتنياهو” التي تتحدث عن السيطرة، تظل غزة عالقة في منطقةٍ رمادية لا تعرف فيها إن كانت تخرج من الحرب أم تدخل في هدنةٍ أطول قليلاً.
الخطة الجديدة تُقدَّم كخريطة طريقٍ نحو السلام، لكنها في جوهرها خريطة طريقٍ نحو إدارةٍ دولية لقطاعٍ محاصر.
ولأن الفلسطينيين ليسوا مجرد أرقامٍ في تقارير الأمم المتحدة، فإن أي سلامٍ لا يبدأ منهم ولا يمرّ عبرهم، محكوم عليه بالفشل.
قد تكون حماس قد غيّرت لهجتها، لكن لم يتغير واقع الاحتلال، ولم تتغير الحقيقة البسيطة:
أن السلام الحقيقي لا يُصنع على مقاسات القوي، بل على أساس العدالة.
وحتى يتحقق ذلك، ستبقى غزة — كما كانت دائمًا — أرضًا ترفض أن تُدار بالريموت كنترول من واشنطن أو تل أبيب.
فهل يمكن لسلامٍ وُلد في مكاتب القوة أن يعيش في شوارع المأساة؟
أم أن ما نراه ليس سوى “صفقة القرن” بنسخةٍ جديدة… أكثر لياقةً، وأقل صدقاً؟



