اخبار وتقارير

التحريض الديني.. ضربة في خاصرة العمل المدني بتعز

تيار نيوز –تقرير خاص

تعز ، المدينة التي طالما عُرفت بأنها منارة الوعي والثقافة ، تواجه اليوم معركة مختلفة عن كل ما مرت به سابقاً ، ليست معركة بنادق ولا مدافع ، بل مواجهة أكثر خطورة على مستقبلها المدني ، خطاب التحريض الديني الذي يهدد وجود منظماتها ويضع العاملين فيها في مرمى التهديد المباشر.

فقد كشفت منظمة الشباب للتنمية والديمقراطية (YODD) في بيان رسمي وبلاغ للنائب العام عن حملة شعواء يقودها خطباء ومتشددون من على منابر المساجد ومنصات التواصل الاجتماعي ، وصلت إلى حد اتهام المنظمة بالكفر والدعوة للإباحية والمثلية ، اتهامات لا تستند إلى دليل ، لكنها كافية لإشعال الغضب الشعبي وفتح الباب أمام عنف مباشر يستهدف العاملين في الحقل المدني.

صناعة العدو الوهمي

البيان الصادر عن (YODD) يوضح بجلاء الآلية التي تُدار بها هذه الحملات ، واقعة عابرة تُقتطع وتُؤول بأشد المفردات الدينية ، ثم يُعاد تسويقها للجمهور على أنها “جريمة كبرى” تهدد المجتمع ، وما حدث مؤخراً ليس سوى مثال صارخ ، إذ تحولت صورة لعرض تعريفي يتضمن الاتفاقيات الدولية الموقعة من اليمن ، بينها اتفاقية “السيداو”، إلى ما سُمي “دليلاً قطعياً” على خيانة دينية وأخلاقية.

الخطورة هنا لا تكمن في المعلومة المبتورة ، بل في طريقة توظيفها ، فبدلاً من أن يُقدم للناس تفسير قانوني أو شرح علمي ، يُقدم لهم خطاب تعبوي يشحن العواطف ويزرع الخوف ، ومع غياب التحقق تصبح المعلومة المقتطعة بذرة تتحول بسرعة إلى اتهام جماعي جاهز للتنفيذ.

هذه الاستراتيجية تعتمد على تحويل أي منظمة مدنية إلى “خصم ديني”، بحيث يُنظر إليها كتهديد للمجتمع يستحق الاستئصال ، وبذلك تنتقل الأزمة من مجرد سوء فهم إلى دعوة ضمنية للعنف ضد المؤسسات المدنية والعاملين فيها.

والأدهى أن الحملة الأخيرة لم تقتصر على خطاب منبر الجمعة ، بل انتقلت إلى الفضاء الرقمي حيث جرى تداول صور وأقوال بشكل مجتزأ ، لتُغذي ماكينة التحريض وتضاعف حجم الكراهية الموجهة ضد المنظمة ، النتيجة كانت واضحة “رسائل تهديد بالقتل والحرق وصلت مباشرة إلى موظفي (YODD)، بعضهم ناشطات نساء ، ليجدن أنفسهن في مواجهة خطر يهدد حياتهن”.

الاتفاقيات وصناعة المواقف

المفارقة التي يثيرها مراقبون هي أن أبرز المحرضين على المنظمة ، ومن بينهم النائب “عبد الله العديني”، كانوا جزءاً من المؤسسة التشريعية التي صادقت على الاتفاقيات ذاتها قبل سنوات ، تلك الاتفاقيات ، بما فيها “السيداو”، لم تُفرض من الخارج ، بل مرت عبر البرلمان اليمني وصوت عليها الأعضاء بعد مراجعتها من لجنة تقنين الشريعة الإسلامية.

هذا التناقض يكشف أن القضية ليست في مضمون الاتفاقيات بقدر ما هي في توقيت وكيفية توظيفها ، فما يُقبل حين يكون جزءاً من سياسة الدولة يتحول إلى “كفر وانحلال” حين يُستخدم في ورشة تعريفية أو تدريبية تديرها منظمة مدنية ، إنها لعبة سياسية بغطاء ديني يختلط فيها الموقف التشريعي بالمصلحة اللحظية للتيارات المتشددة.

إعادة تدوير الاتفاقيات كأداة للتحريض يعكس أيضاً قدرة الخطاب المتشدد على استغلال الذاكرة المجتمعية ، فبينما يدرك المسؤولون أن الاتفاقيات قانونية ومصادق عليها ، يراهنون على أن الجمهور لن يتذكر هذه التفاصيل ، بل سيتفاعل فقط مع ما يُقدم له من مفردات دينية مشحونة بالعاطفة.

بهذا تتحول نصوص قانونية إلى قنابل خطابية ، وتُختزل النقاشات المعقدة في شعارات تحريضية ، وهذا ما يجعل المجتمع أمام مأزق مزدوج “غياب النقاش العقلاني من جهة ، وهيمنة الخطاب المتشدد من جهة أخرى”.

استهداف المنظمات والمجتمع

ليست هذه أول مرة تواجه فيها منظمات مدنية في تعز مثل هذه الحملات ، سنوات من التحريض دفعت عدداً منها إلى مغادرة المدينة ، تاركة وراءها فراغاً كبيراً في الخدمات والمساعدات ، ومع كل منظمة تُغادر يتسع العجز وتتضاعف معاناة الفقراء والمهمشين.

منظمة (YODD) وحدها ، وفق بياناتها ، قدمت منذ بداية الحرب أكثر من 15 مليار ريال كمساعدات ، شملت هذه الجهود بناء مدارس ووحدات صحية ، وتوزيع أدوية وحقائب مدرسية ، إضافة إلى دعم 9200 أسرة سنوياً بزكاة الفطر والأضاحي ، كما وفرت فرص عمل في وقت توقفت فيه التوظيفات الحكومية والخاصة لعقد كامل.

حين تُستهدف هذه المنظمة ، فإن الضرر لا يقع على موظفيها فقط ، بل يمتد إلى آلاف الأسر التي تعتمد على ما تقدمه من دعم ، بعبارة أخرى ، كل تهديد يوجه للمنظمات هو في جوهره تهديد للفقراء والمجتمع بأسره.

لكن خطاب التحريض لا يرى هذه الحقيقة ، فالمحرضون منشغلون بتسجيل مواقف دينية صارخة ، حتى وإن كان ثمنها حياة موظفين مدنيين ومعاناة آلاف الأسر ، إنها معركة ضد المجتمع تحت ستار الدين ، ونتيجتها النهائية فراغ مدني لا يملؤه سوى الفوضى.

بين التدين والفوضى

الخطر الأكبر الذي يواجهه المجتمع اليوم هو خلط التدين الأصيل بالتحريض المتشدد ، فالإسلام دين رحمة وعدل يحض على العلم والعمل ويحمي حقوق الناس ، لكن حين يتحول إلى أداة بيد المتشددين ، يصبح وسيلة للتخويف والتكفير واستدعاء العنف.

المساجد التي يُفترض أن تكون منابر للسكينة والطمأنينة ، باتت في بعض الأحيان ساحات للتهييج الشعبي ، ومع الثقة الكبيرة التي يمنحها الناس لخطبائهم ، يصبح من السهل دفعهم إلى العنف ، وهم يظنون أنهم ينصرون الدين ، بينما هم في الحقيقة ينفذون أجندات سياسية أو شخصية.

هذه الظاهرة إذا لم تُواجه قانونياً ومجتمعياً ، ستقود إلى فوضى دينية لا تعترف بأي مساحة مدنية ، ولا تسمح للتعايش أن يبقى قائماً ، وسيجد المجتمع نفسه أمام انقسام خطير بين من يريد حماية العمل المدني ومن يريد تدميره باسم الدين.

المعركة اليوم في تعز ليست فقط معركة قانونية تتطلب ضبط الخطاب التحريضي ، بل معركة وعي مجتمعي ، فإما أن يدرك الناس أن حماية المنظمات المدنية دفاع عن حياتهم وكرامتهم ، أو يستسلموا لخطاب الفوضى الذي يسلبهم حقهم في التعليم والصحة والمساعدة ، وفي هذه اللحظة الحرجة تبدو تعز مطالبة أكثر من أي وقت مضى أن تختار ، إما أن تبقى مدينة للتنوير ، أو تتحول إلى ساحة مفتوحة للفوضى الدينية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى