
في لحظة بدت كأنها انفلات من قوانين الشرق الأوسط الجامدة، أرسلت حماس إشارتها الأكثر دهشة منذ سنوات: موافقة على مقترح ترامب.
الرجل الذي توعدها قبل أيام بجحيمٍ لا يهدأ، أصبح فجأة وسيطها إلى الهدوء.
الحدث لم يكن مجرد بيان سياسي، بل زلزال في معادلة “المقاومة والحصار”، حيث تقف حماس عند خط النار بين البقاء في الميدان أو الانتقال إلى طاولة الحسابات الأميركية.
وبين تغريدة ترامب وختم الحركة، وُلدت معادلة جديدة: سلام بنكهة اضطرار، ومقاومة تبحث عن نجاة سياسية.
“الهدنة المستحيلة”.. لماذا اختارت حماس أن تُصافح ترامب؟
في لحظة بدت كأنها مقتطعة من مشهد سياسي غير مكتوب، أعلنت حماس موافقتها على مقترح الرئيس الأميركي دونالد ترامب للإفراج عن الرهائن وتسليم جثث القتلى، مع إشادة علنية بجهوده “لوقف الحرب”.
التحول بدا كأنه صفقة مع الوقت أكثر منه مع السياسة؛ فقبل ساعات من انتهاء المهلة التي فرضها ترامب، قررت الحركة أن تضع توقيعها السياسي على ورقة أميركية الطابع — في سابقة نادرة منذ تأسيسها.
القراءة الأولية تقول إن حماس تحاول إعادة تموضعها في مشهد إقليمي يتغير بسرعة الضوء. فهي تدرك أن الحرب استنزفت رصيدها العسكري والإنساني، وأن استمرار المواجهة يعني خسارة أوراقها الإقليمية والدولية، وربما سقوطها الكامل من معادلة “الشرعية الفلسطينية”.
التحول إذاً ليس ضعفاً فقط، بل محاولة ذكية للعب على حافة الانهيار دون السقوط — تكتيك المقاومة حين تتحول إلى دبلوماسية موجهة بالنجاة.
“ترامب الوسيط المستحيل”.. من تهديدات الساعة السادسة إلى مشروع سلام على تويتر
ترامب، الذي لطالما قدّم نفسه كـ”رجل الصفقات”، أدار هذا الملف بأسلوبه المألوف: ضغط علني، مهل زمنية قصيرة، ثم فتح الباب أمام “اتفاق اللحظة الأخيرة”.
تحركه لم يكن إنسانياً بقدر ما هو استثمار سياسي مزدوج:
- على المستوى الداخلي الأميركي، يقدم نفسه كمنقذ للأزمة في الشرق الأوسط، في موسم انتخابي يحتاج فيه إلى انتصار خارجي.
- وعلى المستوى الإقليمي، يسعى لاستعادة دور واشنطن كعرّاب للسلام بعد أن سحبته الصين وتركيا مؤخراً من تحت الطاولة.
لكن الأهم أن الوساطة الترامبية جاءت بخطاب جديد خطاب “الفرصة الأخيرة”، الذي أجبر الأطراف على اتخاذ مواقف حادة إنها مدرسة ترامب في التفاوض: تهديد ثم احتضان، صفقة ثم تغريدة.
“غزة ما بعد حماس”.. إدارة تكنوقراطية أم تفكيك سياسي ناعم؟
قبول حماس بتسليم إدارة غزة لهيئة فلسطينية مستقلة من التكنوقراط يعني عملياً أنها تتنازل عن السيطرة مقابل البقاء السياسي.
إنه ليس خروجاً من السلطة، بل خروجاً محسوباً من المشهد التنفيذي لصالح بقاء التنظيم في المشهد التفاوضي.
الصفقة المقترحة تفتح الباب أمام إعادة هندسة المشهد الفلسطيني: سلطة بلا سلطة، وحكومة تكنوقراط برعاية عربية ـ إسلامية، ومشهد دولي يصفق لما يراه “تنازلاً تاريخياً”.
لكن خلف الأضواء، تدور أسئلة ثقيلة:
هل ستقبل إسرائيل فعلاً بسلام تضمنه حماس من بعيد؟
وهل يستطيع ترامب أن يحول هذا الاختراق إلى اتفاق نهائي قبل أن تنفجر تفاصيل “المرحلة الانتقالية”؟
في الشرق الأوسط، غالباً ما تكون الهدنة مقدمة لحرب جديدة، لا خاتمة لحرب قديمة.
الآن، والعالم يراقب غزة وهي تخرج ببطء من رمادها، تطرح اللحظة سؤالاً صعباً على الجميع:
هل فتحت حماس باباً لسلامٍ فعلي، أم أنها دخلت ممراً أميركياً مغلقاً لا يُفضي إلا إلى إعادة تشكيلها؟
وهل يستطيع ترامب أن يصنع من رماد الحرب مشروعاً انتخابياً وعقيدة دبلوماسية جديدة؟
أم أن ما نراه اليوم ليس أكثر من مجرد هدنةٍ في منتصف إعصار، تنتظر من يُشعلها من جديد؟



