اخبار وتقارير

ثورة 26 سبتمبر.. ذاكرة وطنية متجددة رغم الحرب والانقسام

عبدالرحمن الشرعبي

منذ ثلاثة وستين عاماً ، انتفض اليمنيون في ثورة السادس والعشرين من سبتمبر ، كاسرين قيود الحكم الإمامي الذي صادر الحريات لعقود طويلة ، ومانحاً الشعب فرصة الانعتاق من الظلم والتهميش ، كانت تلك اللحظة بمثابة ميلاد جديد لليمن ، إذ لم تقتصر على إسقاط نظام سياسي بقدر ما دشنت مشروعاً لبناء الدولة الوطنية القائمة على العدالة والمواطنة.

ورغم أن السنوات التالية شهدت صعوبات وصراعات ، فإن الثورة ظلت رمزاً للتحرر والكرامة في الذاكرة الجمعية ، اليوم ، وفي ظل حرب طاحنة وانقسام سياسي ومجتمعي ، يحاول الحوثيون طمس إرث سبتمبر وإعادة إنتاج الاستبداد بصيغ جديدة ، لكن شعلة الثورة تبقى متقدة في وجدان اليمنيين ، خصوصًا الشباب ، باعتبارها بوابة نحو مستقبل أفضل.

شباب بين الإرث والتحديات

يمثل الشباب الامتداد الطبيعي لثورة سبتمبر ، حيث يرون فيها أكثر من مجرد ذكرى وطنية ، بل حدثاً حياً يلهمهم في مواجهة واقع مثقل بالحرب والانقسام ، بالنسبة لهم ، تعني الثورة انتصاراً للحرية ورسالة متجددة تستحق التمسك بها جيلاً بعد جيل.

المواطن “عبدالقادر طلال الخليدي” ، أحد المشاركين في فعاليات سبتمبر بمدينة تعز ، يعبر عن ارتباطه العميق بالثورة رغم أنه لم يعاصر أحداثها. يقول لـ “تيار نيوز”: “رغم أن جيلنا لم يعش لحظة الثورة ، إلا أن غرس محبّتها في قلوبنا جعلنا نتشبث بها ، فهي حدث حي يلهمنا ويشعل في نفوسنا الفخر ، خاصة وسط الحروب والانقسامات”.

هذا الشعور بالانتماء لا يتوقف عند حدود الكلام ، بل يمتد إلى الممارسات الرمزية التي يؤديها الشباب كل عام ، من رفع الأعلام وحضور الاحتفالات وإيقاد الشعلة ، كتعبير عن تجديد العهد للثورة واستحضار انتصارات الأجداد.

في المقابل ، يرى الشاب “أنس مصطفى” أن سبتمبر يمثل “عيداً وطنياً للحياة والحرية”، ونقطة انطلاق الجمهورية الديمقراطية. مؤكدًا أن جيله يتمسك بالثورة بوعي أكبر من الأجيال السابقة ، لأنه يعيش واقعاً مليئاً بالتحديات جعله أكثر إدراكاً لقيمة الحرية التي ورثها.

يضيف: “سبتمبر ليس ذكرى ماضية ، بل حدث حي يُلهم الأحرار اليوم ، فنحن نرفض التفريق والانقسامات ، ونؤمن أن اليمن سيبقى واحداً مهما اشتدت المحن”. وهو ما يعكس روح التمسك بالوحدة الوطنية كجزء لا يتجزأ من رسالة الثورة.

سبتمبر بين الإلهام والخذلان

الصحفي “محمد عبدالقادر اليوسفي” يرسم صورة مغايرة بعض الشيء ، إذ يرى أن الثورة لا تزال رمزاً للتحرر والمواطنة ، لكنها في الواقع الحالي تواجه خطر التوظيف السياسي الذي شوه صورتها. فالكثير من الشباب (بحسب رأيه) لم يعودوا يرونها سوى شعارات متنازعاً عليها بين القوى المختلفة.

يقول اليوسفي: “الثورة ليست حدثاً تاريخياً عابراً ، بل رمز للتحرر والعدالة والمواطنة ، لكن الإحباط المتراكم بفعل الحرب والانقسام جعلها عند بعض الشباب مجرد ذكرى بعيدة ، لا يرون انعكاسها في حياتهم اليومية”.

هذا التناقض بين المعنى التاريخي للثورة والواقع المأزوم اليوم جعل سبتمبر بالنسبة للبعض مصدر خيبة ، بدلاً من أن تكون منبع إلهام. ويؤكد اليوسفي ، أن السبب يعود إلى غياب العدالة وفرص العمل وحرية التعبير ، وهو ما يجعل الشباب يشعرون بأن قيم الثورة لم تتحقق فعليًا في حياتهم.

رغم ذلك ، لا ينفي الصحفي اليوسفي مسؤوليته ودور الإعلاميين في إعادة إحياء المعنى الحقيقي للثورة ، بعيدًا عن الشعارات الحزبية الضيقة ، فهو يعتبر أن إعادة ربط الثورة بحياة الناس اليومية هو المدخل الأهم لتمكين الشباب من إدراك أنها ليست ماضياً فقط ، بل مشروع مستمر لبناء الدولة.

ويشدد على أن استعادة قيم سبتمبر في حياة الشباب تتطلب ربطها بواقع ملموس ، حيث تتحقق العدالة ويُصان حق المواطنة ، وتتوفر فرص التعليم والعمل. عندها فقط (كما يقول اليوسفي) يمكن أن يستعيد الشباب ثقتهم بأن سبتمبر تخصهم ، وأنها ليست مجرد صفحات في كتب التاريخ.

تعز.. مدينة تحتفي بالثورة

في محافظة تعز ، التي طالما شكلت مركزاً للحراك الوطني ، تواصلت فعاليات الاحتفال بثورة سبتمبر هذا العام رغم التحديات الأمنية.

فبحسب مدير عام مكتب الثقافة بالمحافظة ، عبد الله العليمي ، بدأت المدينة إحياء الذكرى منذ مطلع الشهر ، عبر فعاليات شعرية وثقافية ، إضافة إلى مهرجان الأغنية اليمنية الذي أقيم في 15 مدرسة.

ويضيف العليمي لـ “تيار نيوز”، إن الفعاليات شملت أيضًا ندوات ومعارض صور توثق محطات تاريخية مهمة ، إلى جانب مسيرة جماهيرية حاشدة ، وإيقاد الشعلة الذي أضاء سماء المدينة بعروض الألعاب النارية في مشهد احتفالي لافت.

لكن هذه الأجواء لم تكن خالية من المنغصات ، إذ تأثرت الاستعدادات بحادثة اغتيال مديرة صندوق النظافة والتحسين الدكتورة افتهان المشهري ، والتي هزت الرأي العام المحلي. مع ذلك ، يؤكد العليمي أن الجهات الأمنية تمكنت من التعامل مع القضية ، ما سمح باستكمال الاحتفالات بصورة طبيعية.

الاحتفال في تعز لم يكن مجرد مناسبة رمزية ، بل رسالة سياسية ومجتمعية بأن روح الثورة لا تزال حية في قلوب الناس ، رغم الانقسامات والحرب ، ووفق مراقبين ، فإن الزخم الشعبي الذي شهدته المدينة يعكس التمسك بالثورة كخيار وطني جامع يتجاوز الاستقطاب السياسي.

كما أن مشاركة مختلف فئات المجتمع في الفعاليات ، من طلاب ومدرسين ومثقفين وفنانين ، أعطت الطابع الاحتفالي بعداً جماعياً يرسخ مفهوم الوحدة الوطنية ، ويعزز الشعور بالانتماء للثورة كهوية جامعة.

الثورة وعي وهوية

من زاوية تربوية ، يرى استاذ التاريخ في احد مدارس المدينة “فيصل الزبيدي”، أن علاقة الشباب بالثورة في بعض الأحيان سطحية ، بسبب الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي لم تحقق آمالهم ، ويقول إن كثيرًا من مظاهر الاحتفال قد تبدو شكلية ، بينما المطلوب هو تجسيد قيم الثورة في الواقع العملي.

ويؤكد الزبيدي ، أن تصحيح مسار الثورة يبدأ بعودة مؤسسات الدولة وتفعيل سيادة القانون والتخلص من الفساد ، إلى جانب الاهتمام بالمعلمين ودورهم المحوري في بناء وعي الأجيال. مضيفاً: “المعلم هو الأساس لبناء وعي وطني مستدام ، ولا يمكن الحديث عن ثورة حقيقية دون تعليم قوي يغرس قيم المواطنة”.

ويشير إلى ضرورة توفير الخدمات وفرص العمل ، وتشجيع الاستثمار ، وتطوير العملية التعليمية ، بما يرسخ قيم المواطنة والانتماء، ويرى أن دور التربويين يتجاوز تدريس الماضي إلى تعليم الشباب كيفية صناعة حاضرهم ومستقبلهم.

كما يشدد على أن تعزيز الوعي الوطني لا يقتصر على المدارس ، بل يحتاج إلى جهود ثقافية ودينية وإعلامية ، توضح معنى حب الوطن وتبرز إنجازات الأجيال السابقة. وهو ما يساهم في مواجهة محاولات تشويه التاريخ أو طمس هوية سبتمبر.

ويخلص الزبيدي إلى أن دراسة الثورة كحدث تاريخي لا تكفي ، بل يجب تحويلها إلى مشروع عملي لبناء الدولة ، فالشباب بحاجة إلى رؤية ملموسة لتضحيات الأجداد في حاضرهم ، حتى يشعروا أن سبتمبر تخصهم ، وأنها مشروع مستمر وليست مجرد ذكرى عابرة.

رغم مرور العقود وتغير الظروف ، تظل ثورة 26 سبتمبر أكثر من مجرد ذكرى وطنية ، فهي مشروع مستمر لبناء الدولة وتحقيق العدالة والمواطنة ، فبينما يحاول البعض طمس إرثها ، يصر الشباب على إحيائها وتجديد رسالتها في مواجهة الحرب والانقسام.

إنها ذاكرة وطنية تلهم الأجيال في حاضر اليمن ومستقبله ، وتبقى الشعلة التي تضيء درب الحرية ، وتؤكد أن إرادة اليمنيين أقوى من كل التحديات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى