المشاركة في القرار أم السيطرة الكاملة عليه.. ماذا يريد الإنتقالي من رئيس مجلس القيادة؟
تيار نيوز –خاص

لم يعد الخلاف بين المجلس الانتقالي الجنوبي ورئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي مجرد جدل حول صلاحيات أو آلية اتخاذ القرار، بل تحول إلى معركة مفتوحة على هوية الشرعية ومستقبلها. ففي الوقت الذي يسعى فيه العليمي إلى تثبيت سلطة الدولة وإعادة بناء مؤسساتها، يرفع الانتقالي سقف تحديه، متحدثاً بلغة الشريك الذي يريد أن يتحول إلى وصي وصاحب القرار الأول.
ومع كل تصريح ناري يطلقه قادة الانتقالي، يتضح أن الأزمة لم تعد خلافاً سياسياً داخلياً فحسب، بل صراعاً إقليمياً تتداخل فيه حسابات أبوظبي والرياض، وتنعكس نتائجه على مسار الحرب مع الحوثي وعلى وحدة القرار في اليمن كله.
إنها معركة تتجاوز مقاعد المجلس لتلامس مصير الدولة اليمنية نفسها: هل تبقى شراكة سياسية مضطربة أم تنزلق إلى هيمنة كاملة تعصف بما تبقى من الشرعية؟
تصاعد الخلافات داخل مجلس القيادة الرئاسي
مع كل أزمة جديدة تخرج إلى العلن، يتكشف حجم الهوة بين المجلس الانتقالي الجنوبي ورئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي. الأزمة الأخيرة جاءت على خلفية تصريحات وخطوات تصعيدية من قيادات الانتقالي، أبرزهم ناصر الخبجي، الذي لوّح بعدم الاعتراف بقرارات العليمي منفرداً، وطالب بإشراك المجلس الانتقالي في كل التعيينات والقرارات المفصلية، خصوصاً في مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية.
هذه التصريحات لم تكن مجرد موقف عابر، بل حملت رسائل مباشرة بأن الانتقالي لم يعد يرضى بدور الشريك في القرار، بل يسعى لأن يكون اللاعب المهيمن، مستنداً إلى قوة عسكرية على الأرض في الجنوب، ودعم سياسي وعسكري من دولة الإمارات. في المقابل، حاول العليمي الحفاظ على صورة الرئيس الجامع لكل المكونات، متمسكاً بسلطاته الدستورية باعتباره رأس الشرعية.
جذور الأزمة وصراع الصلاحيات
منذ تأسيس مجلس القيادة في أبريل 2022، كان من الواضح أن صيغة الشراكة بين المكونات اليمنية، وعلى رأسها الانتقالي، هشة ومعقدة فبينما نظر كثيرون إلى المجلس كإطار لتوحيد الصف ضد الحوثي، تعامل الانتقالي معه باعتباره منصة مؤقتة لتثبيت نفوذه في الجنوب وتوسيع حصته في مؤسسات الدولة.
مع مرور الوقت، اتضح أن جوهر الخلاف يتمحور حول الصلاحيات: هل يمارس رئيس المجلس دوره وفق الدستور كرأس السلطة التنفيذية؟ أم أن القرار يجب أن يكون جماعياً وفق ما يريده الانتقالي؟ هذه الإشكالية دفعت المجلس إلى الدخول في دوامات متكررة من التعطيل والتجاذب، حيث يسعى الانتقالي لتحويل المسؤولية الجماعية إلى أداة لعرقلة العليمي وتقييد سلطاته، فيما يحاول الرئيس الحفاظ على توازن هش يمنع المجلس من الانفجار.
أبعاد إقليمية ودور الإمارات والسعودية
لا يمكن فهم تصعيد الانتقالي بمعزل عن البُعد الإقليمي فالإمارات التي رعت إنشاء المجلس الانتقالي منذ 2017، لا تزال الداعم الرئيس لخطابه السياسي وتحركاته العسكرية.
ومن الواضح أن وحدة الخطاب التصعيدي لقيادات الانتقالي تعكس تنسيقاً عالياً مع أبوظبي، التي ترى في ذلك وسيلة لضمان بقاء نفوذها في الموانئ والسواحل اليمنية.
في المقابل، تلعب السعودية دور الموازن والوسيط، لكنها تواجه تحدياً كبيراً.
إذ أن كل محاولاتها السابقة لتقريب وجهات النظر بين الانتقالي والعليمي انتهت بتفجر أزمات جديدة كما أن نجاح الحكومة في تحقيق إصلاحات اقتصادية مؤخراً، وانعكاس ذلك على استقرار العملة وارتفاع ثقة الشارع، دفع الانتقالي إلى رفع سقف مطالبه حتى لا يخسر ورقة الضغط السياسي.
تداعيات محتملة على مستقبل الشرعية ووحدة القرار
تفتح هذه الأزمة الباب أمام عدة سيناريوهات لمستقبل مجلس القيادة:
السيناريو الأول: استمرار حالة الشد والجذب دون حسم، وهو ما يضعف أداء المجلس ويمنح الحوثي فرصة لتعزيز نفوذه.
السيناريو الثاني: نجاح الانتقالي في فرض شروطه، ما يعني تحول المجلس إلى غطاء شكلي يشرعن سيطرة الانتقالي على الجنوب.
السيناريو الثالث: تمسك العليمي بدوره بدعم سعودي، مع إدخال إصلاحات في آلية اتخاذ القرار تضمن توازناً أفضل بين المكونات.
لكن أياً يكن السيناريو الأقرب، فإن المؤكد أن هذه الخلافات تعمق حالة الانقسام داخل معسكر الشرعية، وتهدد وحدة القرار السياسي في لحظة حساسة من الصراع مع الحوثي فإذا لم يتم احتواء الموقف، قد يتحول مجلس القيادة من أداة لتوحيد الصف إلى ساحة صراع مفتوحة بين مكوناته.



