اخبار وتقارير

الرئيس العليمي.. كلمة بحجم الأمة وحكمة بحجم التحديات

تيار نيوز –خاص

في القمم الكبرى، تختبر القيادات قدرتها على التعبير عن هموم شعوبها ورسم معالم المستقبل.

وفي القمة العربية الإسلامية الطارئة بالدوحة، وقف رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي مخاطباً قادة الأمة بلغة المسؤولية، متسلحاً بوعي تاريخي وإدراك استراتيجي، ليضع أمام العرب والمسلمين خريطة طريق لمواجهة التحديات التي تعصف بالمنطقة.

فلسطين.. القضية التي لا تختزل

أولى الرئيس العليمي في خطابه أهمية استثنائية للقضية الفلسطينية، باعتبارها القضية المركزية التي لا يمكن تجاوزها أو القفز عليها. لم يكن حديثه مجرد شعارات عاطفية، بل رؤية سياسية رصينة تربط بين العدالة للشعب الفلسطيني والاستقرار الإقليمي. تأكيده على الحل العادل والشامل وفق قرارات الشرعية الدولية والمبادرة العربية للسلام جاء بمثابة تثبيت للبوصلة: فاستقرار المنطقة يبدأ من القدس، ولا أمن دون دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.

مقاربة شاملة للتحديات الإقليمية

اللافت في كلمة الرئيس العليمي أنه لم يحصر المخاطر في الاحتلال الإسرائيلي فحسب، بل وسّع الدائرة لتشمل الجماعات الإرهابية العابرة للحدود والدول ذات المشاريع التوسعية. هنا تجلت رؤيته العميقة بأن هذه الأخطار ليست منفصلة، بل هي شبكة متكاملة: إسرائيل التي تتوسع بالقوة، والجماعات التي تمزق الدول من الداخل، والدول المارقة التي تبحث عن الهيمنة.. كلها حلقات في سلسلة واحدة تهدد مستقبل المنطقة.

وقد ضرب الرئيس مثالاً عملياً بتجربة اليمن، حيث أدى عبث مليشيا الحوثي المدعومة إقليمياً إلى عسكرة البحر الأحمر واستدعاء التدخلات الخارجية، وهو ما جعل اليمن ساحة حرب بالوكالة.

بهذا الربط الذكي، أعاد العليمي توجيه الأنظار إلى أن أمن اليمن جزء من أمن المنطقة، وأن تركه وحيداً أمام هذه التحديات يعني فتح الباب لمزيد من الفوضى الإقليمية.

اليمن في قلب المشروع العربي

في بعده الوطني، أظهر الرئيس العليمي شجاعة القائد الواعي حين قدّم الشكر لتحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية والإمارات، مؤكداً أن هذا الموقف العربي كان مثالاً للتضامن العملي في وجه التهديدات الأجنبية. كما ثمّن دعم مجلس التعاون الخليجي للإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية في اليمن، وقرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي ببحث إنشاء صندوق لإعمار البلاد.

هذه الإشارات لم تكن مجاملة دبلوماسية، بل رسالة سياسية واضحة: اليمن ليس عبئاً على محيطه العربي، بل شريك فاعل يثمّن المواقف ويدعو إلى تكامل الجهود.

حكمة القائد في صياغة الرسائل

تميزت كلمة الرئيس العليمي بقدرتها على الجمع بين ثلاثة مستويات:

1. المستوى العربي والإسلامي العام: عبر الدعوة إلى تحرك جماعي لمواجهة التهديدات، والتأكيد على مركزية فلسطين.
2. المستوى الإقليمي: عبر التحذير من المشاريع التوسعية وارتباطها بالإرهاب.
3. المستوى الوطني اليمني: عبر إظهار الامتنان للدعم العربي والدولي، والتأكيد على أن استقرار اليمن هو جزء من استقرار المنطقة.

هذا التوازن في الخطاب يعكس حكمة سياسية نادرة، إذ لم يغرق في التفاصيل المحلية على حساب القضايا الكبرى، ولم يذُب في القضايا الإقليمية دون ربطها بمصلحة اليمن.

أبعاد استراتيجية أبعد من المناسبة

ما يجعل كلمة العليمي جديرة بالتوقف عندها هو أنها تجاوزت إطار المناسبة، وحملت أبعاداً استراتيجية:

رسمت صورة واضحة للأعداء الحقيقيين للأمة (الاحتلال، الإرهاب، التوسع الإقليمي).

أكدت على ضرورة إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية باعتبارها الحصن الأخير في مواجهة الفوضى.

طرحت مقاربة واقعية للعمل المشترك تقوم على ثلاثية: حل القضية الفلسطينية، دعم الدول الوطنية، وردع المشاريع التوسعية.

لقد برهن الرئيس رشاد العليمي في الدوحة أن اليمن، رغم جراحه العميقة، ما يزال قادراً على إنتاج خطاب مسؤول ومؤثر. كانت كلمته تجسيداً لحكمة القائد الذي يدرك أن خلاص اليمن لا ينفصل عن خلاص فلسطين والمنطقة، وأن الطريق إلى الأمن والاستقرار لا يمر عبر الخطابات الانفعالية، بل عبر بناء جبهة عربية وإسلامية موحدة تستند إلى المصالح المشتركة والوعي بالمخاطر.

إنها كلمة بحجم الأمة، وحكمة بحجم التحديات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى