اخبار وتقارير

معركة الريال: البنك المركزي في مواجهة السوق والسلطة والثقة

تيار نيوز – خاص

الاضطراب الأخير في أسعار الصرف، والتأرجح الحاد للعملة الوطنية بين 250 ريالًا سعوديًا ثم عودتها إلى 425 ريالًا خلال 48 ساعة، كشف أن أزمة الريال ليست مجرد “مضاربة عابرة”، بل حرب مركبة تتقاطع فيها المصالح المالية مع السياسة والأمن والثقة الاجتماعية.

صراع السوق والسلطة

المضاربون أعادوا تنظيم صفوفهم، واستغلوا عطلة نهاية الأسبوع لإشعال موجة شائعات أربكت السوق، ودفعت المواطنين إلى خسائر مباشرة. هذه الشبكات ليست مجرد صرافين طامعين، بل اقتصاد ظل منظّم يرتبط أحيانًا بمصالح سياسية واقتصادية أكبر.

في المقابل، حاول البنك المركزي الرد عبر تثبيت السعر والاستحواذ على العملات الأجنبية المشتراة. لكن هذه الإجراءات واجهت ثلاث مشكلات: غياب الشفافية في إيصال القرارات، انقسام رسمي حيث هاجمه بعض مسؤولي الدولة، وفجوة ثقة مع الشارع الذي رأى أن المركزي عاجز عن حمايته.

دخول قوات الحزام الأمني على خط الأزمة لتجبر الصرافين على إعادة الفروق المالية، مثّل سابقة خطيرة: الأمن يملأ فراغ الاقتصاد. هذا التدخل عزز ازدواجية السلطة بين المؤسسات المالية والقوى الأمنية، وحوّل المشهد من إدارة نقدية إلى ميدان صراع نفوذ.

انقسام القطاع المالي

القطاع المالي نفسه لم يعد موحّدًا.

جمعية البنوك وقفت مع البنك المركزي دفاعًا عن استقرار النظام المالي على المدى الطويل.

نقابة الصرافين الجنوبيين أعلنت إضرابًا وهاجمت المحافظ، متهمة إدارته بالغموض وإدارة الملف من “غرف ظل”.

هذا الانقسام يعكس اختلافًا في المصالح: البنوك تراهن على الاستقرار طويل الأمد، بينما يستفيد الصرافون من تذبذب السوق. كما يعكس أيضًا البعد السياسي، إذ بات قطاع الصرافة – خصوصًا في عدن – متأثرًا بنفوذ المجلس الانتقالي، ما يجعل الأزمة النقدية جزءًا من مشهد الانقسام السياسي العام.

المواطن وفقدان الثقة

الخاسر الأكبر في هذه المعركة هو المواطن. خلال يومين فقط، تبخرت مدخراته بسبب الشائعات والمضاربات، بينما بقيت الأسعار مرتفعة رغم تحسن سعر العملة. هذه التجربة عمّقت قناعة الناس بأن البنك المركزي لا يحميهم، وأن الاستقرار النقدي مجرد “رقم على الشاشة”.

انهيار الثقة هنا أخطر من انهيار العملة نفسها. فحتى لو نجح البنك في تثبيت السعر، فإن غياب الشفافية والاتصال السريع يجعل أي تحسن غير قابل للتحول إلى مكسب معيشي ملموس. ومع كل أزمة جديدة، يتآكل رصيد الثقة أكثر، ويصبح الشارع أكثر هشاشة أمام الشائعات والمضاربين.

المعركة الحالية ليست فقط حول “سعر الريال”، بل حول من يحتكر تعريف الاستقرار الاقتصادي:

البنك المركزي كجهاز سيادي؟

الأجهزة الأمنية التي تفرض الأمر الواقع بالقوة؟

أم المضاربون الذين يصنعون السوق عبر الشائعات؟

نجاح البنك المركزي لن يُقاس فقط بتثبيت السعر أمام الدولار، بل بقدرته على توحيد القطاع المالي، استعادة ثقة الشارع، وفرض القانون كمرجعية وحيدة. وإلا فإن أي تعافٍ سيظل هشًّا، مهددًا بالانهيار مع أول هزة مضاربات جديدة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى