
منذ توليه رئاسة مجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022، أثبت الرئيس رشاد العليمي أنه ليس مجرد شخصية انتقالية، بل لاعب سياسي يتقن فن التوازن في مشهد يمني معقد يتشابك فيه المحلي بالإقليمي والدولي. الرجل لا يملك قوة عسكرية على الأرض، لكنه استطاع أن يفرض حضوره بدهاء سياسي يعتمد على الإدارة الهادئة وقراءة التناقضات بمهارة.
في الداخل، برزت قدرته على التعامل مع المجلس الانتقالي الجنوبي، أحد أكثر الفاعلين تشدداً في مشروع الانفصال. العليمي لم يدخل في مواجهة مباشرة، بل اعتمد على سياسة “الشراكة المضبوطة”، مانحاً الانتقالي حضوراً رسمياً داخل المجلس، وفي الوقت ذاته متجنباً منحه شرعية كاملة لمشروعه الخاص. وبهذا، أبقى الانتقالي شريكاً ضرورياً، لكنه غير قادر على فرض رؤيته منفرداً.
أما مع العميد طارق صالح، فقد لعب العليمي دور الحكم الذكي. فهو منح قائد المقاومة الوطنية مساحة للتحرك سياسياً وإعلامياً، مقدماً إياه في صورة القائد الوطني لا مجرد الذراع الإقليمي، دون أن يسمح له بالتحول إلى منافس مباشر على رأس السلطة. هذه المعادلة جعلت الطرفين بحاجة إلى بعضهما: طارق لكسب الشرعية، والعليمي لتعزيز رصيده العسكري.
ومع حزب الإصلاح، تعامل العليمي بحذر موازٍ. الحزب الذي تراجع نفوذه بعد 2019 وجد في العليمي مظلة جديدة للبقاء في المشهد. الرئيس لم يصطف ضده كما فعلت بعض القوى، ولم يفتح له المجال بلا قيود، بل أبقاه في موقع اللاعب المحتاج، يمنحه بعض المناصب ويحافظ على قنوات تواصل نشطة، من دون أن يسمح له بإعادة إنتاج نفوذه السابق.
الشرعية التقليدية، ممثلة بالرئيس السابق عبدربه منصور هادي وأجنحته، بدت كأنها خرجت من المسرح السياسي بهدوء. هنا ظهر دهاء العليمي، إذ انتقل إلى موقع القيادة دون ضجيج، مستثمراً علاقاته القديمة كرجل دولة عمل طويلاً في مؤسسات الحكم، ليحافظ على استمرارية رمزية الشرعية من دون أن يخلق قطيعة جارحة مع الماضي.
وعلى صعيد الخارج، أجاد العليمي تقديم نفسه كلاعب مقبول من جميع الأطراف. أمام السعودية، بدا شريكاً عقلانياً يمكن الوثوق به في ترتيبات ما بعد الحرب. وأمام الإمارات، سمح بمساحة نفوذ واضحة عبر الانتقالي وطارق صالح، لكنه أبقى خطوط اللعبة بيده. وفي المحافل الدولية، رفع خطاب “السلام والدولة المدنية”، ليظهر بصورة رجل الدولة الذي يمكن التعامل معه بعيداً عن الانقسامات الحادة التي تمزق الداخل.
خلاصة المشهد أن رشاد العليمي لا يصنع السياسة بالصوت العالي أو بالكاريزما الجماهيرية، بل بالدهاء الهادئ وإدارة الأزمات بعقلية “مدير مجلس مساهمين” أكثر من كونه زعيماً أوحداً. في بلد يمضي فوق ركام الحرب، تبدو هذه القدرة على التوازن واحدة من الأوراق القليلة التي أبقت السلطة الشرعية حاضرة في لعبة النفوذ.



