اخبار وتقارير

 “هيئة عامة للأوقاف” بدلاً من وزارة الأوقاف والإرشاد في مناطق الحوثيين

تيار نيوز – خاص

بقرار “مليشاوي ” رقم 43 لسنة 1447هـ (20 أغسطس/آب 2025)، أنشأت سلطات الحوثيين في صنعاء “الهيئة العامة للأوقاف والإرشاد”، مع 36 مادة موزعة على خمسة فصول تحدد التسمية، الأهداف، الهيكل التنفيذي والمالي، وتُلغي عملياً الدور التنفيذي والإشرافي لوزارة الأوقاف في مناطق سيطرتها. جوهر الحركة: إعادة هندسة جهاز الدولة الديني–الاقتصادي لالتقاط موارد الوقف وتوجيه النشاط الديني وفق مقاربة مركزية حزبية، على غرار ما فعلته سابقاً في الزكاة و المجال الإنساني النتيجة المتوقعة: مزيد من تركُّز السلطة والمال الديني بيد جماعة واحدة، وتضييق الحيز المدني والدعوي التعددي.


ماذا يقول القرار؟

  • المحتوى الرسمي: القرار يتضمن 36 مادة ضمن خمسة فصول: (1) التسمية والتعاريف والإنشاء، (2) الأهداف والمهام والاختصاصات، (3) إدارة الهيئة: مجلس + إدارة تنفيذية، (4) الموارد والنظام المالي، (5) أحكام عامة وختامية. ويُعمل به من تاريخ صدوره ويُنشر في الجريدة الرسمية. هذه الصياغة تعني نقل السلطات التنفيذية والمالية المتعلقة بالوقف إلى كيان مستقل عن الوزارة.
  • دلالة الهيكل: وجود مجلس + إدارة تنفيذية يُتيح للقيادة المقرّبة من الجماعة إحكام القبضة على السياسات والقرارات المالية، مع مرونة أعلى من الجهاز الوزاري التقليدي، ودرجة أقل من الرقابة البرلمانية/الحكومية المتعارف عليها في الدول.

أين ينسجم القرار ضمن نمط أوسع؟

هذه ليست خطوة معزولة؛ بل حلقة في سلسلة مأسسة موازية أنشأتها الجماعة:

  • 2018: تأسيس الهيئة العامة للزكاة؛ نقلت الجباية الشرعية من الوزارات إلى سلطة تنفيذية جديدة واسعة الصلاحيات.
  • 2019: إنشاء المجلس الأعلى لإدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية والتعاون الدولي (سكمشا) للهيمنة على بوابة المساعدات والعلاقات مع المنظمات الدولية.
  • 2025: الآن الهيئة العامة للأوقاف والإرشاد لتجميع أصول وإيرادات الوقف تحت مظلة تنفيذية موالية.

تحليلات مستقلة وثّقت هذا الاتجاه: إنشاء هيئات رديفة تنتزع الوظائف من الوزارات “ذات العائد”، بحيث تخضع مباشرة للقيادة وتُستخدم كأدوات ضبط وتمويل.


الإطار القانوني والتشغيلي للوقف في اليمن

تاريخيًا، يخضع الوقف في اليمن لقانون الوقف (مثلاً القانون رقم 23 لسنة 1992)، وتُديره وزارة الأوقاف عبر بنى محلية (مكاتب الأوقاف) وسجلات قديمة وغير مكتملة. ضعف التوثيق والنزاعات العقارية تاريخان يسهّلان إعادة الترتيب المؤسسي لصالح جهة مركزية جديدة تدّعي “التنظيم”.

لكن المشكلة الجذرية ليست غياب النصوص، بل ضعف الحوكمة والبيانات؛ إذ تشير الدراسات إلى أن بيانات الأوقاف في اليمن ناقصة ومتشظية، ومعظم الأصول أراضٍ وعقارات يصعب تسعيرها وإدارتها بشفافية. أي سلطة جديدة بلا شفافية ومساءلة ستُفاقم هذه الفجوة بدل حلّها.


المال والملكية: أين المخاطر؟

  • انكشاف البيانات: تحقيقات محلية وثّقت عقودًا من الفوضى في إدارة أموال الوقف، واستردادات متفرقة، ونزاعات على عقارات كبرى (مثال: استعادة مشروع مباني أوقاف بجامعة صنعاء بعد نزاعات طويلة). هذا يُظهر هشاشة السجلّات وضعف قدرة الوزارة تاريخيًا، لكنه لا يبرّر نقل السلطة إلى كيان حزبي من دون ضوابط.
  • استحواذ مؤسساتي: تقارير رقابية سابقة تحدّثت عن مساحات شاسعة من أراضي الوقف تحت تعدّيات جهات حكومية أو خاصة، ما يحتّم شفافية مضاعفة لأي كيان يدّعي الإصلاح. الخطر أن تتحول “المعالجة” إلى إحلال ولاءات لا إلى سيادة قانون.
  • سوابق مالية: تجربة الزكاة منذ 2018 بيّنت انتقالاً كبيرًا في تدفّق الموارد نحو هيئة موالية، بالتوازي مع تشريعات وممارسات مثيرة للجدل؛ وهذا يمنحنا مؤشراً قوياً على كيفية إدارة أموال الوقف لاحقًا.

ترجمة عملية: الهيئة الجديدة ستمتلك واقعاً سلطة على:

  1. جرد وتوثيق الأصول، 2) التأجير والاستثمار، 3) التحصيل والإنفاق، 4) النزاع والتقاضي من دون مجلس أمناء مستقل، وموازنات منشورة، وتدقيق خارجي حقيقي، يصبح الوقف “صندوقًا أسود”.

تشبيه سريع: لو كان الوقف “محفظة استثمار”، فالهيئة الجديدة أخذت كلمة السرّ بالكامل—من دون حماية ولا إشعار على البريد.

هذه ليست حوكمة، هذا “باي باي” للرقابة.


الدين والمجتمع: من الإرشاد إلى الاصطفاف

الهندسة المؤسسية الجديدة تمنح الجماعة قدرة أكبر على توجيه النشاط الديني والاجتماعي: تعيين أئمة وخطباء، منح تصاريح لأنشطة دعوية، التحكم بموارد المساجد والمدارس القرآنية. التجربة السابقة مع الزكاة وسكمشا أظهرت كيف تُستَخدم الهيئات لتكريس تفوّق أيديولوجي وإقصاء الأصوات غير الموالية، وأحيانًا ربط التمويل بالموقف السياسي/المذهبي. هذا يُهدّد التعدّدية الدينية والمجتمعية، ويضعف الثقة العامة في مؤسسات الوقف.


تأثيرات على النزاع والاقتصاد المحلي

  • إيرادٌ سيادي مقنّع: تحويل الوقف إلى سلّة موارد شبه سيادية يُخفف ضغط الموازنة على سلطات الأمر الواقع، لكنه يُحوّل مانحين خصوصيين (الواقفين) إلى مموّلين قسريين لسياسات لا يوافقون عليها، ما قد يثبّط ثقافة الوقف أصلاً.
  • تصاعد نزاعات الملكية: في سياق حرب وتمزّق مؤسسي، أي إعادة ترسيم لحدود سلطة الوقف ستُنتِج موجات تقاضٍ جديدة، وادّعاءات بالاستيلاء أو إعادة التخصيص، على غرار ما حدث في نزاعات الأراضي في اليمن.

سيناريوهات الأشهر الـ12 القادمة

  1. التمكين السريع (مرجّح): إصدار لوائح تنفيذية وتشكيل مجلس وإدارات فرعية، وبدء جرد واسع للأصول بمرافقة أمنية–قضائية، مع حملات إعلامية عن “استرداد حقوق الوقف”.
  2. التسييس العميق (مرجّح): ربط التمويل الديني والأنشطة الاجتماعية بالولاء؛ إعادة توزيع رُخَص وأنشطة دعوية لصالح المقرّبين، وتقييد المخالفين تحت عناوين تنظيمية.
  3. ارتدادات قضائية–عقارية (ممكن): تضاعف القضايا في المحاكم حول الملكية والتأجير التاريخي، واحتكاك مع جهات حكومية/مدنية تستغل أراضي الوقف منذ عقود.

توصيات عملية

للمجتمع الديني والواقفين:

  • لا توقع/تجدِّد عقوداً مع أي جهة جديدة قبل الاطلاع على لوائح الهيئة ونصوص التحصيل والإنفاق، واشترط تقارير تدقيق مستقلة منشورة سنوياً.
  • أنشئوا شبكات رقابة أهلية لتوثيق أي تعدّيات على أصول الوقف أو حالات تسييس للمنابر.

للمنظمات الحقوقية والإعلامية المحلية:

  • بناء قاعدة بيانات علنية لعقارات الوقف؛ توثيق التغييرات بعد القرار بتاريخٍ دقيق؛ وربط كل واقعة بمستنداتها.

للمانحين الدوليين والبعثات الأممية:

  • أي تعاون أو تمويل يمر عبر الهيئة يجب أن يُشترط بشفافية مالية قابلة للتحقق، وإلا فالمخاطرة عالية بتحويل أموال الوقف إلى ذراع تمويل للنزاع.

للحكومة المعترف بها دولياً ومن في نطاقها:

  • أطلقوا برنامج توثيق وقفي موازي في المناطق غير الخاضعة للحوثيين مع إتاحة النسخ الرقمية علناً؛ هذا يقلل قابلية النزاع غداً عند التسوية.

لماذا يستحق الأمر إنذاراً مبكراً؟

خبر اليوم ليس مجرد “إعادة هيكلة”؛ هو تحويل مسارٍ استراتيجي: من دولة وزارة، إلى دولة هيئات رديفة تُمسك بالمفاتيح التي تُدر المال والنفوذ الديني. تجربة الزكاة وسكمشا تعلّمنا أن هذا النوع من “التنظيم” غالباً يُنتج مزيداً من المركزية وقلة الشفافية، لا إصلاحاً. ومع غياب بيانات موثوقة تاريخياً عن الوقف، فإن أي توسع بلا حوكمة حقيقية يعرض أحد أهم موارد المجتمع الديني في اليمن إلى تسييل سياسي سريع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى