
الصورة التي تداولها ناشطون من إحدى مستشفيات محافظة الجوف ليست مجرد مشهدٍ عابر لجريح على سرير طبي، بل هي اختزالٌ موجع لوطنٍ مخنوق، وإنسانيةٍ تُجلد بالسلاسل، وعدالةٍ تُدار بمنطق العصابة. في الصورة يظهر “يحيى مشني”، مواطن من منطقة المرانة بمديرية برط المراشي، ممددًا على السرير إثر إصابة بطلق ناري في نزاع محلي على قطعة أرض. مشني لم يكن الجاني، بل المجني عليه، لكنه لم يُعامل كضحية، بل كمتهم يجب قمعه بالحديد والصدأ.
الحادثة بحد ذاتها ليست استثنائية في سياق حكم المليشيا، لكنها صادمة في تفاصيلها. رجلٌ ينزف، لا يجد من يسعفه، بل من يقيده. لا أنابيب علاج ولا أدوات إسعاف، فقط سلاسل وأقفال، وكأن الجريمة التي ارتكبها لم تكن التورط في نزاع عقاري، بل تلقيه الرصاصة. المعتدي حر طليق لأنه من أصحاب “الولاية”، بينما الضحية يُعامل كما تُعامل الكلاب الضالة، يُربط، يُهان، ويُترك في العراء دون ذرة كرامة.
هذه ليست مجرد صورة، بل شهادة إثبات على أن المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تحولت إلى فروع للسجون، تُدار بالعقوبة لا بالطب، وتخضع لسلطة البندقية لا للقانون. في تلك الرقعة الجغرافية التي يهيمن عليها السلاح، لا وجود لعدالة الدولة أو إنصاف العرف، بل هناك قانون واحد فقط: من لا ينتمي إلى الجماعة، ليس له حق في الحياة الكريمة.
الناشط الحقوقي عبدالواسع محسن الجمالي صرخ بما عجز كثيرون عن قوله، قائلاً إن الصهاينة أنفسهم لم يُقيّدوا الجرحى كما فعلت مليشيا الحوثي. وهذا ليس تبرئة للاحتلال، بل إدانة للهمجية التي تمارسها جماعة ترفع شعارات الموت لأمريكا واليهود، ثم تمارس ما هو أبشع على أبناء وطنها.
ما جرى ليحيى مشني هو تجسيد صارخ لمنظومة ظلم لا تحتاج إلى محكمة، لأن الحكم يصدر مسبقًا، والعقوبة تنفذ فورًا، ولا مكان فيها للمنطق أو القانون. الرصاصة أصبحت وسيلة الفصل، والسلسلة أداة الحكم، والمستشفى غرفة تنفيذ.
من يظن أن ما حدث حادثة معزولة فهو واهم أو شريك في الجريمة بالصمت أو التبرير. فما جرى في الجوف تكرّر في صنعاء، ويحدث كل يوم في صعدة وعمران وحجة، حيث يُطلب من المواطن أن يكون عبداً لا شريكاً، وأن يقبل الذل بصمت كي لا يُكبل مثله.
الحوثيون لا يحكمون بمنطق الدولة ولا بقيم السياسة، بل بمنهج “الفتوّة” الكهنوتي، حيث الولاية تعني السلطة المطلقة، والولاء أهم من القانون، والخصومة تساوي الخيانة. إنها عودة صريحة إلى زمن العصور الوسطى، حين كانت الكنيسة تداوي الناس بـ”القيود المقدسة”، لكن الجماعة الكهنوتية المعاصرة استبدلت تلك القيود بسلاسل وأقفال، والرحمة بالتعذيب، والرعاية بالقمع.
الصورة التي التُقطت لم تكن فقط لجسد مقيد، بل لوطنٍ مسجون خلف القضبان، لوطنٍ يُعاقَب حين يئن، ويُهان حين يصرخ، ويُربط بالسلاسل حين يطالب بحق العلاج. وما لم يُحطم هذا القيد، وما لم يُحاسب الجلاد، فكلنا مشاريع أسرى، بأرقام مؤجلة.
السلسلة في تلك الصورة ليست حديدة فحسب، بل فكرة، ونهج، ورسالة تهديد موجهة إلى كل صوت حر. في مناطق الحوثيين، لا تُقيد الأجساد فقط، بل تُكبل العقول، وتُخرس الألسنة، وتُعلق الأحلام على مشانق الشعار.
نحن لا نواجه طرفًا سياسيًا له مشروع. نحن نواجه جماعة استبدلت الحوار بالرصاص، والدولة بالميليشيا، والعدالة بالسوط. هؤلاء لا يحكمون ليبنوا وطناً، بل ليبقوا أسياداً فوق الركام.



