اخبار وتقارير

اليمن بين فكي الأزمة: البحر الأحمر تحت سطوة الحوثيين والعالم في موقف المتفرج

تيار نيوز- ترجمة خاصة

بينما تتسابق السفن العابرة عبر البحر الأحمر في صمتٍ مضطرب، وتتناقل وكالات الأنباء أخبار الغارات والردود العسكرية، يبدو أن اليمن – البلد الذي تمزقه الحروب – قد وجد نفسه مجدداً في قلب صراع إقليمي معقد، تحول فيه البحر الأحمر من ممر للتجارة إلى ساحة صراع معلنة.

في 8 و9 يوليو الجاري، استأنفت جماعة الحوثيين عملياتها العسكرية في البحر الأحمر، بعد سبعة أشهر من التوقف، مُغرِقة سفينتين تجاريتين في هجومين منفصلين أسفرا عن مقتل أربعة بحارة، وإصابة اثنين، وفقدان 11 آخرين هذه الهجمات لم تكن مجرد تصعيد عسكري، بل إعلان واضح بأن الأزمة لم تنته، بل أنها تدخل مرحلة جديدة أكثر تعقيداً.

أزمة مفتوحة على كل الاتجاهات

الهجمات التي نُفّذت بعد أقل من شهر على هدنة توسطت فيها واشنطن بين إيران وإسرائيل، جاءت كتأكيد واضح على أن جماعة الحوثي ليست فقط ذراعاً محلية في حرب أهلية يمنية، بل باتت تلعب دوراً إقليمياً ضمن “محور المقاومة” الذي تديره طهران. ومع كل صاروخ يُطلق، وكل سفينة تُهاجم، يتعمّق تورط اليمن في شبكة متشابكة من الحسابات الإقليمية والدولية.

يقول توماس جونو، الزميل المشارك في معهد “تشاتام هاوس”:

“لم يكن مفاجئًا استئناف الحوثيين لهجماتهم، فقد كان ذلك مسألة وقت. الهجمات تمنحهم نفوذًا إقليميًا لا يمكن تجاهله”.

وبينما تسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إحياء سياسة الردع من خلال “عملية الفارس الخشن”، يظل السؤال مفتوحاً: هل يمكن فعلاً ردع الحوثيين؟ أم أن اللعبة أصبحت أكبر من الطائرات المقاتلة والصواريخ الموجهة؟

سلام مؤجل.. وخرائط مجمدة

في سبتمبر 2023، بدا أن اليمن على وشك تحقيق اختراق سياسي مهم خارطة الطريق التي طرحها مبعوث الأمم المتحدة هانس غروندبرغ بدت آنذاك واعدة، مدعومة بمفاوضات سرية بين السعودية والحوثيين بوساطة عمانية لكنّ هجوم حماس المفاجئ على جنوب إسرائيل في أكتوبر نسف كل شيء.

رد الحوثيين لم يتأخر، حيث تبنت الجماعة خطاباً تضامنياً مع الفلسطينيين، لكن التنفيذ جاء عبر البحر الأحمر، حيث بدأت الهجمات على السفن، في تكتيك جديد يستهدف المصالح الدولية والإسرائيلية في آنٍ واحد.

ورغم إدانات المجتمع الدولي، فإن الواقع الميداني يشير إلى أن الحوثيين لم يعودوا مجرد طرف في صراع داخلي، بل أصبحوا جهة فاعلة في تحديد توازنات البحر الأحمر.

انقسام الداخل وتآكل الردع

يرى فرناندو كارفاخال، العضو السابق في لجنة خبراء مجلس الأمن الخاصة باليمن، أن الحديث عن قرب التوصل لاتفاق سلام في سبتمبر الماضي كان “أقرب للوهم”.

“الانقسام داخل مجلس القيادة الرئاسي اليمني، وفشل الحكومة المعترف بها دوليًا في بناء جبهة موحدة، منح الحوثيين فرصة لفرض شروطهم ميدانيًا”، يقول كارفاخال.

بل إن كارفاخال يؤكد أن الحوثيين لم يكونوا – ولا يزالوا – مستعدين لأي حوار جاد مع الحكومة أو السعودية، وهم يستخدمون حرب غزة كـ”ذريعة لتأجيل أي تسوية”.

وفي خضم هذا الانسداد، يصبح البحر الأحمر ليس فقط ورقة عسكرية، بل أداة سياسية تُستخدم لتعطيل العملية السلمية برمتها.

من صنعاء إلى تل أبيب: خطوط النار مفتوحة

الهجمات الحوثية لا تُقرأ فقط من زاوية اليمن، بل أصبحت جبهة مواجهة مباشرة مع إسرائيل.

في 7 يوليو، وبعد ساعات فقط من أول هجوم جديد في البحر، ردّت إسرائيل بغارات جوية على ميناء الحديدة، ثم تكررت الهجمات في 21 يوليو.

فاطمة الأسرار، الباحثة غير المقيمة في معهد الشرق الأوسط، ترى أن حملة الحوثيين في البحر الأحمر “فخ استراتيجي” يبقي اليمن في حالة اضطراب دائم:

“ما لم يتم كبح جماح الحوثيين، فإن أي مسار للسلام سيظل هشاً وعرضه للانهيار في أي لحظة”.

وتضيف:

“قبول المجتمع الدولي بأي تسوية تُفرض بشروط الحوثيين يعني تسليم اليمن لطموحات إيران الإقليمية”.

أميركا تتردد.. وترامب في مأزق

على الرغم من إطلاق عملية “الفارس الخشن” في بداية 2024، إلا أن نتائجها بقيت محدودة.

فبعد 51 يومًا، أوقفت واشنطن غاراتها الجوية ضمن اتفاق سري مع إيران في مسقط. لكن الحوثيين لم يتراجعوا، بل عادوا بهجمات أقوى وأكثر دقة، في تحدٍ مباشر للولايات المتحدة.

ويقول كارفاخال:

“من الواضح أن إيران والحوثيين كانوا يختبرون إدارة ترامب. والنتيجة كانت احراجاً سياسياً للرئيس الأميركي، وعجزاً عن فرض معادلة ردع حقيقية”.

البحر الأحمر رهينة الحسابات الإقليمية

بات جليا اليوم أن البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر تجاري، بل أصبح رهينة بين مصالح متضاربة:

  • إيران تسعى لتثبيت نفوذها من خلال الحوثيين.
  • إسرائيل تبحث عن ردع يُعيد التوازن.
  • الولايات المتحدة تتخبط بين الرغبة في الرد والحذر من التورط.
  • واليمنيون؟ ينتظرون، بين ركام المدن وغياب الدولة، مصيراً لم يعودوا يملكون التحكم فيه.

المبعوث الأممي غروندبرغ، الذي علق آماله على “هدنة 6 مايو”، لم يحقق اختراقاً يذكر وبينما تتكسر جهوده على صخور المعطيات الإقليمية، تستمر جماعة الحوثي في توسيع نفوذها، مستفيدة من تردد خصومها وتراخي المجتمع الدولي.

 اليمن في مهبّ الريح

يبدو أن مستقبل اليمن لم يعد يرسم في صنعاء أو عدن، بل في مضيق باب المندب، وطهران، وتل أبيب، وواشنطن. ما دامت أزمة البحر الأحمر مشتعلة، فإن خارطة الطريق السياسية ستبقى مجمدة، والسلام سيظل فكرة مؤجلة، وربما بعيدة المنال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى