تعز: مدينة تحت حصار ثلاثي.. صراع البقاء بين نيران الحوثي والعطش وأزمة الغاز
محمد الصلاحي

على حافة الهاوية في قلب اليمن، تقف مدينة تعز شامخة بتاريخها وثقافتها، لكنها اليوم تئن تحت وطأة حصار ثلاثي الأبعاد لا يرحم.
هنا، لا يقتصر الصراع على جبهات القتال المشتعلة، بل يتسلل إلى كل بيت، ويخنق كل نفس، ويحول الحياة اليومية إلى معركة بقاء مريرة.
فإلى جانب الحصار العسكري الذي تفرضه جماعة الحوثي منذ سنوات، يعاني أكثر من أربعة ملايين مدني من حصارين آخرين لا يقلان فتكًا: أزمة مياه خانقة، وأزمة غاز منزلي مستعصية.
لم يعد المواطن في تعز يصحو على زقزقة العصافير، بل على صوت صفيحة غاز فارغة أو دلو ماء جاف.
تحولت أبسط مقومات الحياة إلى ترف بعيد المنال، وأصبحت رحلة البحث عن قطرة ماء أو أسطوانة غاز ملحمة يومية تُروى فصولها في طوابير الانتظار المذلة وفي الأسواق السوداء التي تنهش ما تبقى من جيوب المواطنين المثقلة بالفقر.
في هذا التقرير نغوص في تفاصيل هذا الحصار الثلاثي، ونسلط الضوء على جذور الأزمة وتداعياتها الكارثية على حياة الناس، وينقل شهادات حية من قلب المعاناة، كاشفاً عن واقع مدينة تُستنزف ببطء، لكنها تتمسك بخيوط الأمل والصمود في وجه واقع يفوق الخيال.
• الحصار الحوثي.. خنق ممنهج لشريان الحياة
منذ عام 2015، تفرض جماعة الحوثي حصاراً خانقاً على مدينة تعز، قاطعةً الطرق الرئيسية التي تربطها ببقية المحافظات، ومحولةً حياة الملايين إلى سجن كبير.
هذا الحصار لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد ليشمل تضييقاً ممنهجاً على شريان الحياة المدنية، من خلال التحكم في تدفق السلع الأساسية، وفي مقدمتها الغاز المنزلي والمياه.
•طرق الموت والابتزاز
تحولت الممرات التي يُفترض أن تكون آمنة لوصول الإمدادات إلى “طرق موت” ونقاط ابتزاز تُفرض على قوافل الغاز والمياه رسوم جمركية غير قانونية عند نقاط التفتيش الحوثية، مما يضاعف من تكلفتها قبل أن تصل إلى المدينة.
يقول سائق شاحنة غاز، فضل عدم الكشف عن اسمه خوفاً من الانتقام: “في كل رحلة، ندفع مبالغ طائلة كإتاوات.
يتم احتجازنا لأيام دون سبب، وتُنهب حمولتنا أحياناً.
نحن نعمل في ظروف خطرة، والتكلفة النهائية يدفعها المواطن المغلوب على أمره”
هذا الابتزاز الممنهج ليس مجرد ممارسة فردية، بل سياسة تهدف إلى تجويع المدينة وتركيعها فمن خلال التحكم في تدفق الموارد، تستخدم جماعة الحوثي الغاز والمياه كسلاح حرب، في انتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي الذي يحظر استهداف المدنيين وتجويعهم.
•تفاصيل الحصار وتأثيره على الحياة اليومية
الحصار الذي تفرضه جماعة الحوثي على تعز ليس مجرد خطوط تماس عسكرية، بل هو شبكة معقدة من القيود التي تخنق المدينة ببطء.
فمنذ عام 2015، أغلقت الطرق الرئيسية التي كانت تُعد شريان الحياة للمدينة، مثل طريق الحوبان-تعز، مما أجبر السكان على استخدام طرق وعرة وطويلة، تُعرف بـ “طرق الموت”، والتي تُضاعف من تكلفة النقل وتُعرض المسافرين للخطر.
هذه الطرق البديلة، التي غالبًا ما تكون غير معبدة ومليئة بالنقاط العسكرية، تُشكل بحد ذاتها تحدياً يومياً للمواطنين الذين يُجبرون على قضاء ساعات طويلة في التنقل، معرضين حياتهم للخطر بسبب الألغام والقصف العشوائي.تُعد نقاط التفتيش الحوثية على هذه الطرق بمثابة بوابات للابتزاز المنظم.
فكل شاحنة تحمل بضائع، سواء كانت مواد غذائية، أدوية، وقود، أو حتى مياه، تُجبر على دفع “رسوم جمركية” غير قانونية تُضاف إلى تكلفتها الأصلية.
هذه الرسوم، التي تُفرض بشكل تعسفي وتتغير قيمتها حسب مزاج مسئولي النقاط تُشكل عبئاً إضافياً على التجار، الذين يُجبرون على تحميل هذه التكاليف على المستهلك بالنهاية، مما يُساهم في ارتفاع جنوني للأسعار داخل المدينة.
يقول تاجر مواد غذائية من تعز، طلب عدم ذكر اسمه لحساسية الوضع: “كل كيلو طماطم أو كيس دقيق يدخل تعز، يمر على عشرات نقاط التفتيش، وفي كل نقطة ندفع إتاوة.
هذا ليس تجارة، هذا استنزاف. وفي النهاية، المواطن هو من يدفع الثمن”.
لا يقتصر الأمر على الرسوم، بل يمتد إلى عمليات الاحتجاز والتأخير المتعمد فالعديد من الشاحنات تُحتجز لأيام أو حتى أسابيع دون مبرر، مما يُسبب تلفاً للبضائع القابلة للتلف، ويُزيد من معاناة السائقين والتجار. هذا التأخير يُساهم في نقص المعروض من السلع الأساسية، ويُفاقم من الأزمات الإنسانية داخل المدينة.
فالمستشفيات تُعاني من نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، والأسواق تُعاني من نقص المواد الغذائية، مما يُهدد الأمن الغذائي والصحي للملايين إن الهدف من هذا الحصار الممنهج، بحسب العديد من المحللين والمنظمات الحقوقية، هو تجويع المدينة وتركيعها، واستخدام معاناة المدنيين كورقة ضغط سياسي.
فمن خلال التحكم في تدفق الموارد، تستخدم جماعة الحوثي الغاز والمياه كسلاح حرب، في انتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي الذي يحظر استهداف المدنيين وتجويعهم ورغم الدعوات المتكررة من الأمم المتحدة والمنظمات الدولية لرفع الحصار وتأمين الممرات الإنسانية، إلا أن الوضع على الأرض لم يشهد تحسناً يذكر، مما يُبقي تعز رهينة لهذا الحصار المزدوج الذي يفتك بسكانها ببطء، ويُهدد بانهيار كامل للمنظومة الحياتية فيها.
• أزمة الغاز.. لهيب يحرق جيوب المواطنين
تُعد أزمة الغاز المنزلي في تعز شعلة خفية تحرق جيوب المواطنين وتُنهك صحتهم. فالمحافظة تُعاني من نقص حاد في إمدادات الغاز، يُقدر بأكثر من 70% من احتياجها الفعلي.
وتشير التقديرات إلى أن حجم الطلب اليومي في مدينة تعز وحدها يتجاوز 80 ألف أسطوانة، بينما لا يتجاوز ما يتم توزيعه في أفضل الأحوال 22 ألف أسطوانة فقط.
•سوق سوداء وفساد مستشرٍ
هذا الفارق الهائل بين العرض والطلب خلق سوقاً سوداء مزدهرة، حيث تُباع أسطوانة الغاز بأربعة أضعاف سعرها الرسمي، ليتراوح سعرها بين 14 ألفًا إلى 18 ألف ريال يمني. وعلى الرغم من الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها السلطات المحلية لضبط الأسعار في بعض المحطات الرسمية، إلا أن الأزمة لا تزال مستمرة.
تتفاقم الأزمة بفعل الفساد المحلي وغياب الرقابة الفعالة فآلية توزيع الغاز أثبتت فشلها الذريع، بل وتحولت إلى بوابة للفساد والاستغلال.
فبدلاً من أن تصل حصص الغاز إلى المواطنين المستحقين، تُحول كميات كبيرة من الغاز إلى نافذين وتُباع مباشرة في السوق السوداء.
يقول سلطان قائد (30 عامًا)، وهو مواطن من تعز: “أزمة الغاز هذه جاءت بمثابة صفعة أخرى علينا.
لم نستفق من أزمة حتى دخلنا في أخرى. كل يوم هو صراع جديد للحصول على لقمة العيش”.
•تداعيات صحية وبيئية واقتصادية
تتجاوز تداعيات أزمة الغاز الجانب الاقتصادي لتُلامس صحة المواطنين وبيئة المدينة.
فمع ندرة الغاز وارتفاع أسعاره، اضطرت آلاف الأسر إلى العودة إلى استخدام الوسائل البدائية للطهي، مثل الفحم والحطب هذا التحول القسري إلى الوقود البديل، الذي يُعيد المدينة قرونًا إلى الوراء، خلف وراءه آثاراً صحية وبيئية كارثية.
على الصعيد الصحي، أدى استنشاق الدخان الناتج عن حرق الحطب والفحم إلى ارتفاع لافت في حالات أمراض الجهاز التنفسي، خاصة بين النساء والأطفال الذين يقضون معظم وقتهم في المنازل.
وتشير تقارير مستشفى الثورة العام في تعز إلى أن ما يقرب من 40% من مراجعي قسم الصدر يُعانون من أعراض ناتجة عن استنشاق الدخان أو احتراق الأخشاب.
هذه الأمراض، التي تتراوح بين الربو والتهاب الشعب الهوائية إلى الالتهاب الرئوي، تُشكل عبئاً إضافياً على نظام صحي منهك بالفعل، ويُهدد حياة الآلاف من المواطنين، خاصة الفئات الأكثر ضعفًا.
بيئيًا، أدى الانتشار الواسع لاستخدام الحطب إلى إزالة مساحات شاسعة من الغطاء النباتي في الأرياف المحيطة بتعز.
فالمواطنون، الذين يُجبرون على قطع الأشجار لتلبية احتياجاتهم الأساسية، يُساهمون في تدهور البيئة وتصحر الأراضي، مما يُهدد التنوع البيولوجي ويُفاقم من أزمة المياه على المدى الطويل.
هذه الممارسات، التي تُعد نتيجة مباشرة لغياب البدائل المستدامة والدعم الحكومي، تُنذر بكارثة بيئية وشيكة تُضاف إلى قائمة الكوارث التي تُعاني منها تعز.
اقتصادياً تُشكل أزمة الغاز ضربة قاصمة للاقتصاد المنزلي.
فالمواطنون يُجبرون على إنفاق جزء كبير من دخلهم المحدود على شراء الغاز من السوق السوداء، مما يُقلل من قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية الأخرى، مثل الغذاء والتعليم والرعاية الصحية هذا الوضع يُجبر العديد من الأسر على اتخاذ خيارات صعبة، مثل سحب الأطفال من المدارس للعمل، أو بيع ممتلكاتهم لتغطية نفقاتهم الأساسية، مما يُساهم في تفاقم مستويات الفقر وتدهور الأوضاع الاجتماعية في المدينة.
• أزمة المياه.. عطش يهدد الحياة
إذا كانت أزمة الغاز تشعل الأفران بصمت، فإن أزمة المياه تخنق المدينة عطشاً. فمنذ بداية الحرب، تدهورت شبكات المياه الحكومية بشكل شبه كامل، وانقطعت الإمدادات المنتظمة عن المدينة بسبب تحكم وسيطرة جماعة الحوثي على آبار مشروع المياة في التعزية ونتيجة لذلك، لم تعد شبكة المياه تصل إلا لـ اقل من 30% فقط لسكان المدينة، بينما يعتمد البقية على صهاريج المياه (الوايتات) القادمة من الآبار الخاصة، والتي غالباً ما تكون غير مراقبة صحيا .
•تكلفة باهظة وغياب للرقابة
أصبحت تكلفة الحصول على المياه باهظة جداً حيث وصل سعر الصهريج الواحد بـ 80 آلف ريال يمني، وقد يصل إلى اكثر من ذلك في الأحياء العليا.
تقول فاطمة أحمد ربة بيت (35 عامًا)، وهي أم لثلاثة أطفال: “أقضي ساعات طويلة كل يوم في جلب الماء من خزانات السبيل.
أطفالي يُعانون من أمراض الإسهال بسبب المياه غير النظيفة، ولا أملك المال الكافي لشراء المياه من الصهاريج.
نشعر أننا نُعاقب على لا شيء”.
هذه الشهادة تُبرز كيف أن أزمة المياه تُؤثر بشكل مباشر على صحة الأطفال، وتُزيد من انتشار الأمراض المنقولة بالمياه.
كما أن شُح المياه في المدارس والمرافق الصحية يهدد بإغلاق بعضها، مما يُحرم الأطفال من حقهم في التعليم، ويُعيق تقديم الخدمات الصحية الأساسية.
•تداعيات صحية وبيئية خطيرة
لا تقتصر تداعيات أزمة المياه على الجانب الاقتصادي والمعيشي فحسب، بل تمتد لتُشكل كارثة صحية وبيئية صامتة تُهدد مستقبل المدينة.
فالمياه غير النظيفة التي تُستخدم للشرب والطهي تُساهم في انتشار الأمراض المنقولة بالمياه، مثل الكوليرا والإسهال الحاد والتيفوئيد والتهاب الكبد الوبائي.
وقد شهدت تعز تفشيًا لأمراض الكوليرا في السنوات الماضية، مما أودى بحياة المئات، خاصة الأطفال، في ظل ضعف البنية التحتية الصحية ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية فكيف يُمكن لمستشفى أن يُقدم الرعاية الصحية اللازمة بدون مياه معقمة؟ هذه الأسئلة تُبرز حجم الكارثة التي تُعاني منها تعز، وتُشير إلى أن الأزمة لا تُهدد الحياة فحسب، بل تُهدد مستقبل الأجيال القادمة.
على الصعيد البيئي، أدى الاعتماد المتزايد على مياه الآبار الجوفية إلى انخفاض منسوب المياه بشكل خطير، مما ينذر باستنزاف هذه الموارد الحيوية على المدى الطويل فالحفريات العشوائية للآبار، التي تتم دون أي رقابة أو تخطيط، تُساهم في تدهور الطبقات الجوفية، وتُهدد بانهيارات أرضية في بعض المناطق، هذه الممارسات تُشكل خطرا حقيقيا على استدامة الموارد الطبيعية في تعز، وتزيد من تعقيد المشهد الإنساني المتدهور بالفعل إن غياب الحلول الجذرية لأزمة المياه، وتجاهل السلطات المحلية والحكومة المركزية لهذه الكارثة، يُشكل وصمة عار على جبين الإنسانية.
فالمواطنون في تعز يُجبرون على دفع ثمن باهظ لقطرة ماء، بينما تُهدر الموارد وتُستنزف الثروات الطبيعية دون أي تخطيط أو رؤية مستقبلية.
هذا الوضع يُنذر بكارثة بيئية وصحية لا يُمكن تداركها في المستقبل، ويُهدد بتحويل تعز إلى مدينة أشباح تُعاني من العطش والجفاف.
•غياب الدولة: بين فشل الإدارة وتجاهل الحكومة.. دوامة من اللوم والمعاناة
في خضم هذه المعاناة الإنسانية الطاحنة التي تُعاني منها تعز، يبرز غياب الدولة كعامل رئيسي يُفاقم من الأزمات ويُطيل أمدها. هذا الغياب لا يقتصر على مستوى واحد، بل يتجلى في مستويين رئيسيين: فشل السلطة المحلية في إدارة الأزمة، وتجاهل الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً لمعاناة المدينة. هذا الوضع خلق دوامة من اللوم والمعاناة، يدفع ثمنها المواطن البسيط الذي يجد نفسه وحيداً في مواجهة مصير مجهول.
•فشل السلطة المحلية: فساد مستشرٍ وغياب للمساءلة
تُتهم السلطة المحلية في تعز، ممثلة بمكتب المحافظ والجهات التنفيذية، بالفساد وسوء الإدارة، وعدم قدرتها على وضع حد للسوق السوداء أو ضمان توزيع عادل للموارد الشحيحة. فآلية توزيع الغاز، التي تُعلن عنها السلطات المحلية، أثبتت فشلها الذريع، بل تحولت إلى بوابة للفساد والاستغلال.
فبدلاً من أن تصل حصص الغاز إلى المواطنين المستحقين، يتم بيعها مباشرة في السوق السوداء بأسعار مضاعفة، بينما يُترك المواطنون العاديون في طوابير مذلة لساعات طويلة، وغالبًا ما يعودون خالي الوفاض.
يقول أحمد سعيد (45 عامًا)، موظف حكومي لم يتسلم راتبه منذ أشهر: “نحن لا نطلب رفاهية، بل نطلب أبسط حقوقنا في الحياة أين الحكومة من كل هذا؟ لا نرى منهم سوى الوعود التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
كل يوم نُجبر على دفع مبالغ طائلة لشراء الغاز والماء، بينما رواتبنا متوقفة وحياتنا تتدهور” هذه الشهادة تُبرز الإحباط العميق من غياب الدولة وتأثيره المباشر على حياة المواطنين.
تتضارب الاتهامات بين المسؤولين المحليين وشركة الغاز فالمسؤولون المحليون يُلقون باللوم على شركة الغاز في مأرب، متهمين إياها بالتقصير في إرسال الكميات الكافية أو التمييز ضد تعز.
في المقابل، تنفي شركة الغاز هذه الاتهامات، مؤكدة أن تعز تستلم حصتها المقررة. هذا التراشق بالاتهامات يُلقي بظلاله على المشهد، ويُبقي المواطن هو الضحية الوحيدة في ساحة تبادل الاتهامات، دون أن يرى أي حلول ملموسة على الأرض إن غياب الشفافية والرقابة الفعالة على عملية التوزيع يُشجع على تفشي الفساد. فالمواطنون يُجبرون على دفع مبالغ طائلة للحصول على أسطوانة غاز أو صهريج ماء، في حين أن هذه المبالغ كان من المفترض أن تكون أقل بكثير لو كانت هناك إدارة رشيدة وعادلة للموارد.
هذا الفساد لا يُنهك جيوب المواطنين فحسب، بل يُقوض ثقتهم في المؤسسات الحكومية، ويُشعرهم بأنهم متروكون لمصيرهم في مواجهة هذه الأزمات المتفاقمة.
وقد شهدت تعز مؤخرًا احتجاجات شعبية واسعة ضد أزمة الغاز، حيث تظاهر مواطنون أمام مبنى المحافظة، مطالبين السلطات المحلية بالتدخل العاجل لوضع حد لهذه المعاناة هذه الاحتجاجات تُعبر عن حالة الغضب والإحباط التي تسود الشارع التعزي، وتُشير إلى أن صبر المواطنين قد بدأ ينفد في ظل استمرار الأزمات وتفاقمها دون حلول جذرية.
•تجاهل الحكومة المركزية: وعود زائفة وتجاهل متعمد
يُشكل غياب الدعم الجاد والفعال من الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ، ومقرها عدن، محورا رابعاً في هذه الأزمة المركبة التي تُعاني منها تعز.
ففي الوقت الذي يُلقي فيه كل طرف من الأطراف المتصارعة باللائمة على الآخر، تظل تعز تُعاني وحدها، وكأنها جزيرة معزولة عن اهتمامات الحكومة المركزية. هذا الغياب ليس مجرد تقصير، بل يُنظر إليه من قبل الكثيرين في تعز على أنه تجاهل متعمد لمعاناة مدينة صمدت في وجه الحصار لسنوات.فالحكومة، التي يُفترض أن تكون مسؤولة عن توفير الخدمات الأساسية لمواطنيها، لم تُقدم حتى الآن خطة واضحة وشاملة لمعالجة أزمات الغاز والمياه وخطة تحريرها.
فالتصريحات الرسمية غالباً ما تكون مجرد وعود فضفاضة، لا تُترجم إلى إجراءات عملية على الأرض.
هذا التجاهل يُعزز الشعور لدى المواطنين بأنهم متروكون لمصيرهم، وأن معاناتهم لا تُشكل أولوية لدى الحكومة التي تُركز على صراعاتها السياسية الداخلية.
يُضاف إلى ذلك، أن الحكومة لم تُقدم الدعم الكافي لإعادة تأهيل البنية التحتية المدمرة في تعز، خاصة شبكات المياه والصرف الصحي، والتي تُعد أساسية لضمان وصول الخدمات الأساسية للمواطنين فالمبالغ التي تُخصص لهذه المشاريع، إن وجدت، غالباً ما تكون ضئيلة ولا تتناسب مع حجم الدمار والاحتياجات الهائلة للمدينة.
هذا النقص في الدعم يُعيق أي جهود محلية لتحسين الأوضاع، ويُبقي تعز في دائرة الأزمات المتتالية.
يُشير العديد من المراقبين إلى أن الحكومة الشرعية تُعاني من ضعف في الأداء، وتُركز على مصالحها السياسية الضيقة، بدلاً من التركيز على خدمة المواطنين وتلبية احتياجاتهم الأساسية.
هذا الضعف يُساهم في تفاقم الأزمات الإنسانية في تعز وغيرها من المناطق، ويُقوض ثقة المواطنين في قدرة الحكومة على إدارة شؤون البلاد.
يقول نزار المهاجري ناشط مدني من تعز، “نحن نُعاني من حصار مزدوج: حصار الحوثي من جهة، وحصار الإهمال الحكومي من جهة أخرى. لا أحد يهتم بنا، وكأننا لسنا جزءاً من هذا الوطن”.
إن هذا التجاهل الحكومي يُشكل تحديا كبيراً أمام أي جهود لإغاثة تعز وتحسين أوضاعها.
فبدون دعم حكومي جاد وفعال، ستظل المدينة تُعاني من هذه الأزمات المتفاقمة، وسيظل المواطنون يدفعون الثمن باهظاً في ظل غياب أي أفق للحل.
هذا الوضع يُنذر بكارثة إنسانية أعمق، ويُهدد بانهيار كامل للمنظومة الحياتية في تعز، ما لم يتم تدارك الوضع والتحرك بجدية لمعالجة هذه الأزمات.
•الثمن البشري: قصص من قلب المعاناة
خلف الأرقام والإحصائيات، تكمن قصص إنسانية مؤلمة تُجسد الثمن البشري الباهظ الذي يدفعه سكان تعز يومياً.
فكل أسرة في هذه المدينة تُعاني من أزمة الغاز والمياه، وتُجبر على التكيف مع واقع قاسٍ يُهدد وجودها.
هذه القصص تُبرز حجم المعاناة، وتُشير إلى أن الأزمة لا تقتصر على الجانب المادي، بل تُلامس الجانب النفسي والاجتماعي للمواطنين.
معاناة الأسر في البحث عن الغاز والماءتُعد بمثابة ملحمة تُروى فصولها في طوابير الانتظار وفي الأسواق السوداء التي تنهش ما تبقى من جيوب المواطنين.
فالنساء والأطفال يُجبرون على قضاء ساعات طويلة في جلب الماء، أو في انتظار صهاريج المياه التي قد لا تصل أبداً.
تقول أم محمد (50 عامًا)، وهي أم لسبعة أطفال: “أحياناً ننتظر وصول وايت الماء لمدة اسبوعين واحياناً شهر حتى لم يتبقى في بيتي قطره واحده، ولا أستطيع أن أفعل شيئًا.
“أما أزمة الغاز، فتقول اضطر استخدم الوسائل البدائية، مثل الحطب والفحم، مما يُعرض اطفالي للأمراض التنفسية ويُزيد من معاناتهم.
•تأثير الأزمة على التعليم والصحة
تُؤثر أزمة الغاز والمياه بشكل مباشر على التعليم والصحة في تعز.
فالعديد من المدارس تُعاني من نقص المياه، مما يُهدد بإغلاقها أو يُجبر الطلاب على ترك مقاعد الدراسة للمساعدة في جلب الماء أو العمل لتوفير المال لشراء الغاز.
تقول وداد الحبيشي معلمة في إحدى مدارس تعز، “كيف يمكننا أن نتحدث عن جودة التعليم في ظل هذه الظروف؟ الطلاب يأتون إلى المدرسة اما متعبين وجائعين، واما متغيبين اغلب ايام السنه الدراسية ولا يستطيعون التركيز في دروسهم.
نحن نفقد جيلاً كاملاً بسبب هذه الأزمات”.
أما في القطاع الصحي، فالوضع لا يقل سوءاً فالمستشفيات والمراكز الصحية تُعاني من نقص حاد في المياه، مما يُعيق تقديم الخدمات الطبية الأساسية، ويزيد من خطر انتشار العدوى.
يقول طبيب في مستشفى الثورة العام: “نحن نُجبر على شراء المياه بأسعار باهظة، وهذا يُشكل عبئاً إضافيا على ميزانية المستشفى المنهكة.
أحياناً نضطر إلى تأجيل العمليات الجراحية بسبب نقص المياه المعقمة الوضع كارثي جداً.
• التداعيات النفسية والاجتماعية.. جروح لا تندمل
إن الحصار الثلاثي الذي تُعاني منه تعز لا يترك جروحاً في الجسد فحسب، بل يترك ندوباً عميقة في النفس والمجتمع. فالضغوط اليومية التي يُعاني منها المواطنون، والخوف المستمر من المستقبل، والقلق الدائم على توفير لقمة العيش، كلها عوامل تُساهم في تدهور الصحة النفسية للسكان، وتُهدد بتفكك النسيج الاجتماعي للمدينة.
قلق واكتئاب وصدمات نفسية يعيش سكان تعز في حالة من القلق الدائم والتوتر النفسي. فالأمهات يقلقن على أطفالهن الذين يُعانون من سوء التغذية والأمراض، والآباء يشعرون بالعجز لعدم قدرتهم على توفير احتياجات أسرهم الأساسية.
هذا الوضع يُؤدي إلى انتشار حالات الاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة، خاصة بين الأطفال والنساء الذين يُعدون الفئة الأكثر تضرراً من هذه الأزمات.
تقول الدكتوره مريم الصيرفي أخصائية نفسية: “نحن نشهد زيادة كبيرة في عدد الحالات التي تُعاني من مشاكل نفسية. الأطفال يُعانون من الكوابيس والتبول اللاإرادي، والنساء يُعانين من الاكتئاب والقلق.
الناس يعيشون في حالة من اليأس والإحباط، ولا يرون أي أمل في المستقبل”.
•تفكك اجتماعي وتغير في القيم
تُؤثر الأزمات المتلاحقة على النسيج الاجتماعي للمدينة، وتُهدد بتفكك الروابط الأسرية والمجتمعية.
فالصراع على الموارد الشحيحة، مثل الماء والغاز، يُؤدي إلى نشوب الخلافات والنزاعات بين الجيران والأقارب كما أن الفقر المدقع يُجبر العديد من الأسر على اتخاذ قرارات صعبة، مثل تزويج بناتهم في سن مبكرة، أو إرسال أطفالهم للعمل في ظروف خطرة.
يقول عاقل حارة : “كنا في الماضي نعيش كعائلة واحدة، نتقاسم الحلوة والمرة.
أما اليوم، فقد تغير كل شيء الناس أصبحوا أكثر أنانية، وكل شخص يُفكر في نفسه فقط هذه الأزمات قتلت فينا روح التكافل والتعاون”.
•مبادرات محدودة ونداءات مهملة
في ظل هذا الواقع المأساوي، تبرز بعض المبادرات المحلية والدولية التي تُحاول التخفيف من معاناة السكان، لكنها تظل محدودة الأثر في مواجهة حجم الكارثة. هذه المبادرات، التي غالباً ما تكون مؤقتة وغير مستدامة، تُشبه قطرة في بحر من الاحتياجات، وتُبرز الحاجة الملحة إلى تدخل دولي عاجل وفعال.
•مبادرات محلية ودولية
تُحاول بعض المنظمات المحلية والدولية تقديم المساعدات الإنسانية للسكان، مثل توزيع المياه الصالحة للشرب، وتوفير قسائم لشراء الغاز، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي.
هذه المبادرات، على الرغم من أهميتها، لا تُعالج جذور الأزمة، بل تُقدم حلولاً مؤقتة لا تُلبي سوى جزء بسيط من الاحتياجات.
يقول مسؤول في إحدى المنظمات الإنسانية: “نحن نبذل قصارى جهدنا لمساعدة الناس، لكن إمكانياتنا محدودة.
الأزمة أكبر من قدرتنا على الاستجابة، ونحن بحاجة إلى دعم دولي أكبر لإنقاذ تعز من هذه الكارثة”.
نداءات لإعلان تعز مدينة منكوبة في ظل تفاقم الأزمة، تتعالى الأصوات المطالبة بإعلان تعز مدينة منكوبة، وذلك لجذب انتباه العالم إلى حجم الكارثة، وحشد الدعم الدولي لإنقاذ المدينة.
هذه النداءات، التي تُطلقها منظمات المجتمع المدني والناشطون الحقوقيون، تُقابل بتجاهل من قبل الحكومة اليمنية والمجتمع الدولي، مما يُزيد من شعور السكان بالعزلة والتخلي.
•ختاماً صمود تعز.. أمل رغم الألم
في نهاية هذا التقرير، لا يمكن الحديث عن تعز دون الحديث عن صمودها الأسطوري. فهذه المدينة، التي تُحاصرها النيران والعطش والظلام، لا تزال تتنفس أملاً، وتتمسك بالحياة رغم كل الصعاب.
في كل بيت فيها، حكاية امرأة تُعد وجبة بالحطب، وطفل يجرّ عربة ماء، ورجل يبيع آخر ما يملك ليشتري دبة غاز.
وفي كل شارع فيها، قصة مدينة تقاوم العطش باللهفة، والنار بالصبر، والخذلان بالأمل.
إن أزمة تعز ليست مجرد أزمة إنسانية، بل هي أزمة ضمير.
فصمت الحكومة عن هذه الازمات يُعد مشاركة فيها، وتجاهل معاناة الملايين يُشكل وصمة عار على جبين الإنسانية.
آن الأوان للشارع التعزي أن يتحرك، وأن يضع حداً لهذا الحصار الثلاثي، وأن يُعيد لتعز حقها في الحياة والكرامة.



