من هرمز إلى ملقا.. كيف تحوّلت المضائق البحرية إلى أوراق ضغط في لعبة النفوذ العالمي؟
تيار نيوز –تقرير

في عالمٍ يتنفس عبر البحر، لم تعد المضائق البحرية مجرد ممرات مائية تعبرها السفن العملاقة، بل تحولت إلى شرايين استراتيجية تتحكم بإيقاع الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، وسلاسل التوريد العابرة للقارات.
وبينما يتصاعد التوتر في الخليج العربي والبحر الأحمر وآسيا الشرقية، يعود الحديث بقوة عن “جغرافيا القوة”، حيث تتحول المضائق من معابر تجارية إلى أدوات نفوذ وضغط جيوسياسي.
وفي هذا السياق، أثارت تصريحات مسؤولين إندونيسيين مؤخرًا جدلًا واسعًا، بعد التلميح إلى إمكانية فرض رسوم على السفن العابرة لمضيق ملقا، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ورغم تراجع جاكرتا سريعًا عن الفكرة وتأكيدها احترام حرية الملاحة الدولية، إلا أن مجرد طرحها كشف حجم التحولات الجارية في التفكير السياسي العالمي تجاه الممرات البحرية الحساسة.
ويمثل مضيق ملقا، الواقع بين إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية، إذ تمر عبره نحو 22 بالمئة من التجارة البحرية الدولية، بما في ذلك الجزء الأكبر من صادرات الطاقة والبضائع القادمة من الشرق الأوسط والمتجهة نحو شرق آسيا وأوروبا.
ولهذا، فإن أي تهديد أو تعطيل لحركة الملاحة فيه قد يُحدث صدمة اقتصادية عالمية تتجاوز حدود المنطقة.
المضائق.. من خرائط الجغرافيا إلى خرائط النفوذ
التحولات الجيوسياسية الأخيرة أعادت رسم أهمية المضائق البحرية بوصفها أدوات تأثير إستراتيجي. فبعد سنوات كان فيها الحديث يتركز على القرصنة أو النزاعات التقليدية، برزت تهديدات جديدة أكثر تعقيدًا، تشمل استخدام الفاعلين غير الحكوميين، والصراعات غير المتكافئة، والتوظيف السياسي لحركة الملاحة الدولية.
وفي هذا الإطار، أشار مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) إلى أن تعطيل الممرات البحرية لم يعد يتطلب أساطيل ضخمة أو حروبًا شاملة، بل بات ممكنًا عبر أدوات أقل كلفة وأكثر تأثيرًا، كما حدث في البحر الأحمر مع هجمات الحوثيين على السفن التجارية، التي دفعت شركات شحن عالمية إلى تجنب المرور عبر قناة السويس وسلوك طريق رأس الرجاء الصالح الأطول والأكثر تكلفة.
هذه التطورات كشفت هشاشة النظام التجاري العالمي القائم على “الإنتاج في الوقت المناسب”، حيث تعتمد الأسواق والشركات الكبرى على تدفق مستمر للبضائع دون مخزونات احتياطية كبيرة، ما يجعل أي اضطراب ولو قصيرًا في المضائق البحرية كفيلًا بإحداث ارتباك واسع في الأسواق وسلاسل الإمداد.
هرمز وتايوان وملقا.. مثلث القلق العالمي
ورغم أن مضيق هرمز يبقى الأكثر حساسية بسبب عبور نسبة ضخمة من صادرات النفط والغاز العالمية عبره، إلا أن الخبراء يرون أن المشهد بات أوسع وأكثر تعقيدًا.
فمضيق تايوان، على سبيل المثال، يكتسب أهمية متصاعدة في ظل التوتر المتزايد بين بكين وتايبيه، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة الآسيوية وسلاسل التكنولوجيا العالمية، بينما يشكل مضيق ملقا البوابة الحيوية التي تربط المحيطين الهندي والهادئ.
ويرى خبراء الأمن الدولي أن العالم يشهد اليوم “عودة الجغرافيا” إلى قلب الصراع الدولي، حيث لم تعد السيطرة العسكرية التقليدية وحدها معيار القوة، بل أصبحت القدرة على التأثير في طرق التجارة والطاقة عنصرًا حاسمًا في موازين النفوذ العالمي.
القانون الدولي.. قوة على الورق؟
ورغم وضوح اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تضمن حرية المرور عبر المضائق الدولية ومنع فرض رسوم أو قيود على السفن العابرة، إلا أن الواقع السياسي يبدو أكثر تعقيدًا.
فالخبراء يشيرون إلى أن فعالية القانون الدولي تبقى مرتبطة بمدى استعداد الدول لاحترامه. ويُستشهد هنا ببحر الصين الجنوبي، حيث تجاهلت الصين أحكامًا دولية صدرت لصالح الفلبين، ما يعكس محدودية أدوات الردع القانونية أمام المصالح الجيوسياسية الكبرى.
كما أن تعطيل المضائق لم يعد يتطلب إغلاقًا رسميًا أو حربًا مفتوحة، إذ يمكن عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة وحتى التهديدات الأمنية غير المباشرة خلق حالة من القلق تدفع شركات الشحن لتغيير مساراتها، وهو ما يحقق عمليًا التأثير المطلوب دون إعلان حصار فعلي.
الاقتصاد العالمي أمام اختبار هشّ
ومع تصاعد التوترات الدولية، تتزايد المخاوف من أن يصبح الاقتصاد العالمي أكثر عرضة للابتزاز الجغرافي، خصوصًا في ظل اعتماد التجارة الدولية على عدد محدود من الممرات البحرية الحيوية.
ورغم وجود بدائل لبعض المضائق، مثل مضيقي سوندا ولومبوك في جنوب شرق آسيا، إلا أن استخدامها يعني ارتفاعًا في التكاليف وتأخيرًا في سلاسل الإمداد، ما ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة والسلع عالميًا.
وفي المحصلة، لم تعد المضائق البحرية مجرد خطوط زرقاء على الخرائط، بل تحولت إلى مفاتيح تتحكم بإيقاع الاقتصاد والسياسة والأمن الدولي.
ومن هرمز إلى باب المندب وملقا وتايوان، يبدو أن العالم يدخل مرحلة جديدة تصبح فيها “الجغرافيا” لاعبًا رئيسيًا في معادلات القوة، فيما تتزايد هشاشة الاقتصاد العالمي أمام أي اضطراب في تلك الشرايين البحرية الحساسة.



