اخبار وتقاريرالشأن الإقتصاديتحقيقات

فخ العمل في اليمن.. حين تصبح الوظيفة ممرًا إجباريًا نحو الفقر

تقرير: محمد عبدالقادر اليوسفي

منذ عقد والخطاب الاقتصادي في اليمن يتمحور حول “خلق فرص العمل”. لكن بيانات عام 2026 تكشف حقيقة أكثر قتامة: المشكلة لم تعد في “ندرة الوظائف” فحسب، بل في “جدوى العمل” نفسه. نحن أمام سوق يبتلع جهد الناس ولا يعيد لهم كفاف يومهم، حيث تحول “العمل” من أداة للنجاة إلى مجرد استنزاف للطاقة في بلد يعيش ثلثا سكانه خارج الدورة الاقتصادية الرسمية.

 

تعمل لتظل فقيرًا

 

تكمن الصدمة في الربط بين مؤشرين؛ فبينما تشير أحدث التقديرات إلى أن معدل المشاركة في قوة العمل هو 33.103% فقط، بحسب تقديرات منظمة العمل الدولية ILO – البنك الدولي 2025، يظهر مسح ميداني لتقييم الفقر والعدالة في اليمن للبنك الدولي عام 2024، أن 91% من المعيلين الذين يملكون عملًا بالفعل، يؤكدون أن دخلهم لا يغطي الاحتياجات الأساسية.

هذا هو الاكتشاف الذي يغير الرواية: الدخول إلى سوق العمل في اليمن لا يعني الخروج من دائرة العوز. أنت أمام احتمال بنسبة 9 من كل 10 أن تظل فقيراً رغم كدحك اليومي.

يقول ألاستاذ عادل الجبزي (41 عام) وهو موظف حكومي في تعز: “أعمل في ثلاث وظائف: معلم صباحاً، ومحاسب عصراً، وسائق دراجة نارية ليلاً. في نهاية الشهر، أكتشف أنني مدين لصاحب البقالة بـ 20% من قيمة احتياجاتي. أنا لا أعمل لأعيش، أنا أعمل لأقلل سرعة الغرق فقط”.

 

سحر والجيش الخفي

 

رسمياً، تقول الأرقام إن مشاركة النساء في اليمن لا تتجاوز 4.663% فقط، بحسب تقديرات منظمة العمل الدولية ILO – 2025، وهذا الرقم ليس فجوة فقط، بل هو “عمى إحصائي” يتجاهل ملايين النساء اللواتي يدبن الحياة في بيوت اليمنيين.

لقد تسببت الحرب في تحويل الاقتصاد إلى “اقتصاد منزلي” غير رسمي. آلاف النساء مثل “سحر” التي تدير مشروعًا لإنتاج الحلويات من مطبخها، لا يظهرن في استمارات المسح الرسمية.

هؤلاء النساء هن من يمنعن انهيار المجتمع كلياً، لكن غيابهن عن الأرقام الرسمية يعني حرمانهن من أي حماية قانونية أو سياسات دعم إقراضي.

 

نصف الشباب في الثقب الأسود

 

الرقم الأكثر إخافة في بيانات العام الحالي هو 45.973% وهو نسبة الشباب (15-24 سنة) الذين يقعون في خانة (NEET)، أي أنهم لا يدرسون، ولا يعملون، ولا يتدربون، بحسب بيانات البنك الدولي – تقديرات IL لعام 2025.

هذا يعني أن نصف “قوة المستقبل” معطلة تمامًا هؤلاء ليسوا عاطلين بالمعنى التقليدي، بل جيل انقطع اتصاله بالمسار الاجتماعي والمهني. وبالتوازي، بلغت بطالة الشابات في هذه الفئة 39.218% بحسب منظمة العمل الدولية، مما يعزز عزلة المرأة الشابة عن الحياة العامة.

خالد عبدالجليل (20عام) من عدن، يقول: “تخرجت من الثانوية قبل ثلاث سنوات، لا يوجد معهد أتعلم فيه مهنة، ولا توجد وظيفة تطلب خريجًا بلا خبرة، يومي يبدأ وينتهي في (المقيل) نحن جيل ينتظر أن ينتهي اليوم لكي يبدأ يوم يشبهه تمامًا”.

 

العمالة الهشة

 

حين تتحدث بيانات البنك الدولي عن 45.590% عمالة هشة، فهي تصف جيشًا من “المياومين” والباعة المتجولين الذين لا يملكون تأمينًا أو عقودًا.

ارتباط ثلث التشغيل بقطاع الزراعة بنسبة 31.617% بخسب منظمة العمل الدولية، يضيف طبقة أخرى من المخاطرة؛فالعامل اليمني اليوم رهينة لتقلبات المناخ وشح المياه الذي يهدد القطاع الوحيد المستوعب للأيدي العاملة غير الماهرة.

 

رواتب مجدة وعملة مشطورة

 

لا يمكن فهم انهيار جدوى العمل دون النظر إلى كف يد الدولة عن الدفع، حيث يواجه 1.25 مليون موظف مدني انقطاعاً أو تقطعاً في الرواتب منذ عام 2015، بحسب مذكرة ارتباط اليمن FY20-21، والبنك الدولي.

وهذا الانقطاع شمل 51% من المعلمين الذين لم يتقاضوا رواتبهم بانتظام منذ 2016، ماجعل العامل اليمني لا يواجه أزمة سوق عمل طبيعية، بل يتحرك داخل أزمة إنسانية يحتاج فيها 19.5 مليون شخص للمساعدة للبقاء على قيد الحياة، بخسب خطة الاحتياجات الإنسانية لليمن 2025 لـ OCHA.

 

ختامًا | المنهجية:

اعتمد هذا التقرير على تقاطع البيانات بين ثلاث طبقات:

التقديرات النموذجية (Modelled Estimates): من منظمة العمل الدولية (ILO) لعام 2025 لضمان أحدث المؤشرات الكلية.

المسوح النوعية: “تقييم الفقر والعدالة 2024” للبنك الدولي لربط الوظيفة بمستوى المعيشة الفعلي.

الوثائق الإجرائية: تقارير الأوتشا (OCHA) ومذكرات البنك الدولي حول الرواتب لتفسير الانهيار في القطاع العام.

تنبيه: يقر هذا التقرير بوجود فجوة بيانات ميدانية من 2014، ويعتبر الأرقام الواردة “مؤشرات اتجاهية” تعكس الحد الأدنى من عمق الأزمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى