اخبار وتقارير

عدم تدخل الحوثيين في الصراع حتى اليوم: حسابات إيران الاستراتيجية

تقرير: وجدي السالمي

نشر معهد الشرق الأوسط للدراسات، وهو مؤسسة بحثية أميركية يقودها السفير الأميركي السابق ستيوارت جونز، تقريراً، الخميس، يتناول أسباب عدم انخراط جماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن في الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، رغم كونها أحد أبرز حلفاء طهران الإقليميين.

وبحسب التقرير، أنه رغم أن غارات التحالف الأميركي الإسرائيلي أسفرت عن مقتل العشرات من كبار القادة الإيرانيين، بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي، وردت جماعات مسلحة موالية لطهران في العراق ولبنان بتصعيد هجماتها ضد هذا التحالف، إلا أن الحوثيين لم يدخلوا القتال حتى الآن.

ورغم أن الجماعة نشرت منصات إطلاق صواريخ على طول ساحل البحر الأحمر، وأعلنت أن “أصابعها على الزناد”، فإنها لم تنفذ أي هجوم مباشر منذ اندلاع الحرب، ما أثار تساؤلات حول أسباب هذا الحذر.

يرى التقرير أن هذا الموقف يعكس حسابات استراتيجية تتخذها قوات الحرس الثوري الإيراني، إذ إن قرارات التدخل العسكري ضمن ما يسمى بمحور المقاومة تُدار عبر غرفة عمليات مشتركة يقودها فيلق القدس، الذراع الخارجية للحرس الثوري المسؤولة عن العمليات العسكرية والاستخباراتية خارج إيران.

ووفقاً للتقرير، تحاول طهران توسيع نطاق الصراع وإطالة أمده لرفع كلفة الحرب على واشنطن وحلفائها. وتراهن على أن الضغط الاقتصادي والسياسي المتزايد قد يدفع الولايات المتحدة في نهاية المطاف إلى البحث عن مخرج من الحرب، وهو ما يجعل توقيت إدخال الحوثيين في القتال قراراً استراتيجياً حساساً.

تباينات داخلية

يشير التقرير أيضاً إلى وجود تباينات داخلية بين عناصر الحرس الثوري العاملين مع الحوثيين في اليمن بشأن توقيت الرد. ونقل التقرير عن مصادر قولها إن بعض القيادات الحوثية تدفع باتجاه الانخراط المباشر في الحرب، في حين يفضل آخرون إبقاء الجماعة كقوة احتياطية لمرحلة أكثر حسماً.

وقد تكبد الحوثيون خسائر فادحة في عام 2025 نتيجة غارات جوية أميركية إسرائيلية، قضت على قادة كبار وخبراء في مجال الصواريخ والطائرات المسيرة، ودمرت بنى تحتية عسكرية، وكان أبرزها مقتل القيادي البارز محمد الغماري، حلقة الوصل الرئيسية مع طهران.

الحوثيون: خط الدفاع الأخير

مع تآكل قدرات حزب الله بفعل الحملة الإسرائيلية وتعرض الميليشيات العراقية لضغوط مكثفة، يبرز الحوثيون كأقوى حلفاء إيران وأكثرهم قدرة على استعادة التوازن الاستراتيجي.

ويصف التقرير الحوثيين بأنهم ليسوا مجرد خط دفاع أخير، بل “شريان الحياة الاستراتيجي” المحتمل للحرس الثوري في حال تصاعد الضغوط على النظام في طهران.

وهذا ما يفسر تصريحات القيادي في الحرس الثوري وعضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إسماعيل كوثري، “إن للحوثيين دوراً خاصاً في الحرب الإقليمية”، مضيفاً “أن هذا الدور سيُفعّل “في الوقت المناسب”.

وخلال العقد الماضي، ساعد فيلق القدس الحوثيين على بناء شبكة عسكرية وصناعية متنامية، مكنتهم من إنتاج أجزاء من الأسلحة محلياً مع الحصول على مكونات أخرى عبر شبكات تهريب دولية.

ويُعد الحفاظ على هذه البنية التحتية أمراً بالغ الأهمية لإيران، إذ تمثل منصة لتعزيز نفوذها عبر البحر الأحمر وصولاً إلى القرن الأفريقي، كما توفر قدرة على التأثير في طرق التجارة البحرية التي تربط آسيا وأوروبا والشرق الأوسط.

سيناريوهات التدخل

يطرح التقرير عدة سيناريوهات لتدخل الحوثيين، السيناريو الأول يتمثل في تصعيد محدود ومدروس يهدف إلى إظهار التضامن مع إيران دون استدعاء رد عسكري أميركي واسع. وقد يشمل ذلك استئناف الهجمات على السفن المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر أو إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل.

كما قد يستأنف الحوثيون هجماتهم عبر الحدود ضد السعودية، وهو خيار سبق أن استخدمته الجماعة خلال سنوات الحرب اليمنية. وكانت هجمات سابقة داخل الأراضي السعودية قد ساهمت في دفع الرياض إلى مفاوضات أدت إلى هدنة بوساطة الأمم المتحدة عام 2022.

أما السيناريو الثاني فهو تصعيد شامل قد يشمل استخدام ترسانة الحوثيين من الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام البحرية لتعطيل الملاحة عبر البحر الأحمر واستهداف منشآت الطاقة في الخليج.
وقد يؤدي مثل هذا التصعيد، خاصة إذا ترافق مع إغلاق مضيق هرمز، إلى اضطراب كبير في التجارة البحرية العالمية وارتفاع تكاليف الشحن والطاقة، ما قد يزيد الضغوط الدولية لإنهاء الحرب.

لكن التقرير يحذر من أن هذا الخيار ينطوي على مخاطر كبيرة، إذ قد يؤدي إلى ضربات أميركية وإسرائيلية جديدة ضد أهداف حوثية داخل اليمن، وربما يدفع السعودية إلى التخلي عن هدنتها الهشة مع الجماعة واستئناف دعم العمليات العسكرية ضدها.

الحوثيون كملاذ أخير

يخلص التقرير إلى أن الحوثيين يشكلون بالنسبة لإيران احتياطياً استراتيجياً مهماً، إذ إن البنية العسكرية التي بناها الحرس الثوري داخل اليمن تمنح طهران قدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ولهذا السبب، قد تتجنب إيران الزج بالجماعة في الحرب في مرحلة مبكرة، لأن الكشف المبكر عن هذه القدرات قد يعرضها لخسائر كبيرة.
ويرى التقرير أن الحوثيين ربما يمثلون الشريك الإقليمي الأكثر أهمية لإيران من الناحية الاستراتيجية، وهو ما يدفع طهران إلى استخدامهم بحذر وانتقائية.

وبالتالي، فإن دخولهم الحرب لن يعكس فقط حسابات الجماعة في صنعاء، بل سيعتمد بالدرجة الأولى على تقييم القيادة الإيرانية لمسار الصراع وإلى أي مدى تحتاج إلى توسيع نطاق المواجهة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى