ظلت مدينة المخا، ذات الجذور التاريخية العميقة والموقع الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر، لعقود بلا مطار مدني رغم أهميتها الجغرافية والتاريخية كمنطقة حرة في سوق التجارة العالمي. وفي العام 2021م بدأ هذا الواقع بالتغيير الجذري بعد دخول المقاومة الوطنية للمدينة، حيث بدأت أعمال إنشاء مطار المخا ضمن جهود إعادة تأهيل البنية التحتية في الساحل الغربي لمحافظة تعز.
كان الإعلان الرسمي عن افتتاح المطار قد جرى في 5 أبريل 2024، غير أن التشغيل الفعلي للرحلات ظل متعثراً حتى أواخر العام 2025، قبل الإعلان عن بدء استقبال الرحلات الجوية من وإلى مدينة جدة في 2 يناير 2026.
هذه الخطوة اعتُبرت بارقة أمل لكسر العزلة وتخفيف معاناة آلاف المسافرين من أبناء تعز والمناطق المجاورة، باعتبار المطار هو المنفذ الجوي الأقرب والأسهل لهم، لكن هذه اللحظة تحولت سريعاً إلى خيبة أمل واسعة عقب تلقي تهديدات حوثية بقصف الطائرة في حال هبوطها، مما دفع الطاقم لاتخاذ قرار العودة إلى جدة تفادياً للمخاطر.
إجراءات احترازية طارئة
أوضحت الجهات الرسمية المختصة أن قرار إيقاف الرحلة جاء حرصاً تاماً على سلامة المسافرين والطواقم والمنشآت المدنية، رغم استكمال كافة التجهيزات الفنية للمطار والاستعداد الكامل لاستقبال الرحلات ضمن مراحل التشغيل الأولى، ويُنظر إلى المطار باعتباره إضافة استراتيجية لقطاع الطيران المدني اليمني وخدمة حيوية للمواطنين.
من جانبه، أكد مدير مطار المخا الدولي، خالد عبداللطيف، أن الإغلاق الحالي هو إجراء احترازي مؤقت، مشيراً إلى أن إدارة المطار تتابع التطورات الأمنية بدقة بالتنسيق مع الجهات المعنية. موضحًا أنه سيتم الإعلان عن إعادة التشغيل فور توفر الظروف الآمنة التي تضمن سلامة الملاحة الجوية.
وفي منشور له على “فيسبوك”، اشار الى أن الإدارة عملت فور وقوع الحادثة على إيواء ومساعدة 152 مسافراً كانوا في انتظار الرحلة، بينهم كبار سن ومرضى قدموا من عدة محافظات، وذلك في ظل تعذر سفرهم نتيجة التهديدات الأمنية القائمة.
معاناة المسافرين المخذولين
يروي أحمد سعيد، أحد المسافرين الذين مُنعوا من سفرهم نتيجة توقف الرحلة، لـ “تيار نيوز” تفاصيل المعانة والصدمة النفسية التي تعرض لها، ان التوجه إلى مطار المخا كان مصحوباً بتفاؤل كبير نظراً لقربه من منطقة سكنه وسهولة الوصول إليه.
وأضاف: “المسافرين ظلوا في حالة انتظار وترقب للرحلة حتى الساعة الثانية ظهرًا، قبل أن يتم إبلاغهم بالخبر الصادم وهو إلغاء الرحلة وعودة الطائرة إلى مدينة جدة”. هذا القرار أثار حالة عارمة من الغضب والإحباط بين الركاب الذين كانوا يعلقون آمالاً كبيرة على هذا المنفذ الجوي.
واختتم سعيد حديثه متسائلًا بمرارة تعكس حجم المعاناة، عن جدوى افتتاح المطار وبذل كل هذه الجهود في ظل استمرار سيطرة المليشيات الحوثية على ملف الملاحة الجوية في البلاد. وهو ما يضع حياة المسافرين ومصالحهم في مهب الريح أمام أي تهديدات عسكرية محتملة.
ترهيب وانتهاك صارخ
في سياق ردود الفعل، اعتبر الناشط السياسي أسامة القاضي أن تشغيل مطار المخا كمرفق مدني يهدف أساساً إلى التخفيف من معاناة المواطنين وخدمة جميع أبناء اليمن دون استثناء.
مؤكدًا أن تهديدات المليشيات الحوثية مثلت العقبة الأولى أمام هذا المنجز، وأدت مباشرة إلى تعطيل سفر مئات المواطنين، بينهم مسافرون لأغراض العمل والعلاج وأداء مناسك العمرة.
واشار القاضي الى أن تهديد استهداف الطائرة لا يطال مطار المخا وحده، وإنما يشكل تهديداً صارخاً للوطن بأكمله، مل يعكس نهجاً مليشياوياً قائماً على الترهيب ومنع أي محاولة للنهوض أو تخفيف المعاناة عن كاهل المواطنين. لافتًا أن هبوط الطائرة في ظل تلك التهديدات الجدية كان سيقود إلى كارثة إنسانية لا تحمد عقباها.
بدورها، اتهمت إدارة مطار المخا المليشيات الحوثية بتسخير سيطرتها على المجال الجوي لتعطيل أعمال الملاحة وتقييد حرية تنقل المواطنين المكفولة قانوناً.
واعتبرت هذه التصرفات “انتهاكاً جسيماً لقواعد الطيران المدني الدولي، ومصدراً إضافياً لمضاعفة معاناة اليمنيين المحاصرين أساساً بالأزمات المتلاحقة”.
أزمة السيادة الجوية
تتصاعد التساؤلات في ظل تعقيدات المشهد اليمني حول استمرار سيطرة الحوثيين على قطاع الملاحة الجوية رغم توفر بدائل تقنية في المناطق المحررة. في هذا الصدد، كشف المهندس يحيى الجماعي، الممثل السابق لليمن في منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، عن اختلالات إدارية ومالية جسيمة تؤدي إلى خسائر بملايين الدولارات شهرياً، مع اتهامات مباشرة للحكومة بالتقاعس عن استعادة هذا القطاع السيادي.
وأوضح الجماعي في لقاء متلفز، أن أجهزة تنظيم حركة الطيران لا تزال تُدار من قبل الحوثيين عبر شبكة يتحكمون بها، رغم توفر أجهزة مماثلة ومتطورة في المناطق المحررة يمكن تشغيلها من أي موقع داخل الجمهورية.
وأكد أن التراجع في هذا الملف الحيوي تتحمل مسؤوليته الحكومة الشرعية، نظراً لتوفر الكادر المؤهل والإمكانات الفنية اللازمة.
وكشف الجماعي عن مفارقة صادمة تتمثل في أن موظفين بمطارات عدن، والمكلا، وسقطرى، لا يزالون يتقاضون رواتبهم من الحوثيين، لافتاً إلى أن الحكومة تخسر ما بين 6 إلى 7 ملايين دولار شهرياً بسبب هذا الوضع.
وفي ختام حديثه، دعا مجلس القيادة الرئاسي لتحمل مسؤولياته الوطنية وتشغيل أنظمة الملاحة في المناطق المحررة، مؤكداً أن القرار ممكن التنفيذ فوراً ولا ينبغي ربطه بذرائع أمنية واهية.



