اخبار وتقارير

الحرمان من التعليم.. فتيات يبحثن عن النور

حيفاء القميري

يُعد حرمان الفتيات من التعليم واحدة من أخطر أشكال التهميش الاجتماعي في مدينه مأرب شرقي اليمن حيث تُحرم آلاف الفتيات من حقهن الأساسي في التعلم، ليجدن أنفسهن في مواجهة مستقبل غامض تفرضه قيود اجتماعية متجذرة، وفي الأرياف اليمنية على وجه الخصوص، تتكرر مشاد منع الفتيات من ارتياد المدارس، نتيجة هيمنة العادات والتقاليد، وهي ظاهرة تفاقمت بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة.

فاطمة قائد (33) عاماً، سيدة يمنية من مدينة مأرب، تمثل نموذجًا حيًا لهذه المأساة الصامتة، لم تكن تحلم بأكثر من حقيبة مدرسية ودفاتر نظيفة وطريق تسلكه كل صباح نحو المدرسة، مثل باقي الفتيات، حلم بسيط اقتصر على تعلّم القراءة والكتابة، لكنه اصطدم بواقع قاسٍ حوّل أحلامها إلى أمنيات مؤجلة.

وُلدت فاطمة في أسرة تحاط بها المعتقدات الاجتماعية، فكان التعليم أول ضحية، لم يُحرم عنها بسبب تقاعس أو كسل، بل بقرار أسري حاسم فرضته الأعراف السائدة. وبصفتها الابنة الكبرى، وجدت نفسها مبكرًا أمام مسؤوليات تفوق سنها، لتتلقى قرار والدها بالمنع من التعليم بعبارة: «لا يوجد عندنا فتاة تتعلم»، وهي لحظة تصفها فاطمة بأنها كانت كساترٍ من الظلام أُسدل على حياتها.

حرمان

لم تقف المعاناة عند حدود الحرمان من التعليم، بل تعمّقت بفعل الفقر والمرض. فوالدها، المزارع البسيط، كان بالكاد يوفر قوت يومه، بينما أُصيبت والدتها بمرض صفار الكبد، لتغلق أبواب الحياة تباعًا أمام فتاة لم تعرف من الطفولة سوى الحرمان.

وفي هذا السياق، وزارة التربية والتعليم تؤكد أن واقع تعليم الفتيات يمر بمرحلة حرجة، يوضح نائب وزير التربية والتعليم، الدكتور علي العباب أن التقييمات العامة تشير إلى وجود فجوات واسعة في وصول الفتيات إلى التعليم، لا سيما في المناطق الريفية والنائية، الأمر الذي أسهم في ارتفاع معدلات الأمية بين الإناث. ورغم هذه التحديات، يشير إلى وجود إصرار متزايد لدى بعض الأسر اليمنية، إلى جانب جهود حكومية، لمواصلة تعليم الفتيات، مع بروز نماذج مشرقة لطالبات تحدين الظروف وحققن تفوقًا لافتًا.

من جهتها، تقول إيمان المنتصر، المختصة بتعليم الفتاة في مكتب التربية والتعليم بمحافظة مأرب، إن الزواج المبكر يأتي في مقدمة الأسباب التي تعيق تعليم الفتيات، إلى جانب التمييز بين الذكور والإناث، وبُعد المدارس عن أماكن السكن، والظروف الاقتصادية الصعبة. وتضيف أن قرارات الزواج المبكر تسهم في تسرب الفتيات من التعليم، نتيجة تحمّل المسؤوليات الأسرية في سن مبكرة، مؤكدة أن الجهات المعنية تعمل على رفع مستوى الوعي المجتمعي، وتقديم الدعم للأسر الأكثر احتياجًا، وتهيئة بيئة تعليمية جاذبة للفتيات.

بدورها، تحذر غادة محمد، وكيلة مدرسة بلقيس للبنات في مدينه مأرب، من خطورة تفشي الزواج المبكر بين طالبات المرحلة الثانوية، مشيرة إلى أن عددًا كبيرًا منهن متزوجات أو مخطوبات، ويتعرضن لضغوط تمنعهن من مواصلة التعليم، حتى في الحالات التي يكفل فيها عقد الزواج حق الفتاة في الدراسة، وقالت نحن بحاجة إلى ضمان قدرة الفتيات على إنهاء الصف الثاني عشر. يمنحهن خيارات بشأن مستقبلهن. كما أنه يؤخر أمورا مثل الزواج، وقضايا متعلقة بالانقطاع عن الدراسة، وبالتالي عدم القدرة على تحقيق الحد الأقصى الذي يريدون تحقيقه. وهذه مشكلة.

يوضح بيتر هوكينز ممثل “اليونسيف ” في اليمن :هناك فرق، وخاصة في نهاية سن الدراسة، عادة بين مرحلتي المدرسة الإعدادية والثانوية، حيث تتسرب الفتيات بشكل كبير عندما يتزوجن أو عندما يكون لديهن واجبات أخرى في المنزل. وهذا أمر مثير للقلق بشكل كبير.

نحن بحاجة إلى ضمان قدرة الفتيات على إنهاء الصف الثاني عشر. هذا يمنحهن خيارات بشأن مستقبلهن. كما أنه يؤخر أمورا مثل الزواج، وقضايا متعلقة بالانقطاع عن الدراسة، وبالتالي عدم القدرة على تحقيق الحد الأقصى الذي يريدون تحقيقه. وهذه مشكلة.

فرصة متأخرة

أتيحت لفاطمة فرصة متأخرة للعودة إلى مقاعد التعليم، عندما افتُتحت مراكز لمحو الأمية بالقرب من منزلها. التحقت بها لفترة قصيرة قبل أن تُغلق بشكل مفاجئ، ما ضاعف من شعورها بالحسرة على سنوات ضاعت دون تعليم. ومع ذلك، تختصر فاطمة تجربتها بقولها إن الفرق كبير بين حياة يلفّها الظلام وأخرى يضيئها نور المعرفة، مهما كان بسيطًا، تقول:

“يمكن ما كملت تعليمي، ويمكن الفرصة كانت قصيرة، لكن الأيام اللي دخلت فيها الفصل غيّرت فيّ كثير. تعلّمت أقرأ حروف، وأفهم أشياء كنت أجهلها، وحسّيت لأول مرة إن لي حق في التعليم زي غيري. لما أُغلقت المراكز، رجع الحزن، بس الأثر اللي تركه التعليم البسيط ما راح، وخلّاني أؤمن إن المعرفة حتى لو كانت قليلة، تصنع فرق كبير في حياة الإنسان.”

أوضحت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء أن اليمن يسجل واحدًا من أعلى معدلات الأمية في العالم، حيث بلغ عدد الأميين ممن تزيد أعمارهم عن عشر سنوات نحو 6.3 مليون أمي وأمية، ما يمثل قرابة 29.2% من إجمالي السكان، في مؤشر يعكس حجم التحديات التي تواجه مسار التنمية في البلاد.

وأوضح الدكتور علي العباب أن مراكز محو الأمية إحدى الأدوات المهمة لمواجهة الجهل والحرمان من التعليم، إذ تستهدف فئة الكبار الذين حُرموا من حقهم في التعلم، تسعى إلى تمكينهم من مهارات القراءة والكتابة الأساسية. غير أن هذه المراكز تواجه تحديات جسيمة، أبرزها ضعف الإمكانيات، وقلة الكوادر المؤهلة، وغياب الدعم المستدام، ما يحد من قدرتها على إحداث أثر واسع.

ورغم الصعوبات، تظل هذه المراكز نافذة أمل لكثير من النساء، وخطوة أولى نحو استعادة الحق في التعليم، بوصفه أحد أهم الحقوق الإنسانية، وأساسًا لا غنى عنه لبناء مستقبل أكثر عدالة وإنصافًا للفتيات في اليمن.

تم إنتاج هذه المادة ضمن مشروع تعزيز دور وسائل الإعلام في دعم قضايا الصحة الإنجابية والعنف القائم على النوع الاجتماعي الذي ينفذه مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى