
كشفت دراسة أكاديمية جديدة بجامعة تعز عن تأثيرات عميقة أحدثتها الحرب في اليمن على الهُوية الوطنية خلال الفترة من 2015 إلى 2024، موضحةً أن الصراع المسلح أعاد تشكيل الوعي الجمعي لدى الطلاب الجامعيين وولّد مفارقات لافتة بين الانتماء للوطن والولاء للدولة.
الدراسة التي قدمها الباحث عيبان محمد عبدالرحمن السامعي لنيل درجة الماجستير في علم الاجتماع، وأُقرت بتقدير امتياز، اعتمدت منهجية متعددة جمعت بين المناهج التاريخي والوصفي التحليلي والمقارن، واستندت إلى بيانات كمية ونوعية عبر استبانة شملت 453 طالباً وطالبة، إضافة إلى مقابلات معمّقة مع 25 طالباً من الدراسات العليا.
وأظهرت النتائج أن الطلبة يدركون بدرجة عالية تأثيرات الحرب المدمرة على الهُوية الوطنية، حيث بيّنت الدراسة ارتفاع مستوى الانتماء والولاء للوطن مقابل انخفاض ملحوظ في الولاء للدولة، في دلالة واضحة على ضعف البنية المؤسسية وتراجع الثقة العامة. وخلص الباحث إلى أن الحرب أحدثت تأثيراً مزدوجاً؛ إذ عمّقت الانقسامات وفعّلت الهُويات الفرعية من جهة، لكنها عززت الشعور بأهمية الحفاظ على الهُوية الوطنية كقيمة حماية من جهة أخرى.
كما كشفت الدراسة عن تنامي تسييس الهُويات الطائفية والمناطقية والقبلية، بالتزامن مع تراجع دور المؤسسات التعليمية والثقافية، ما أتاح لأطراف الصراع إعادة توجيه الوعي المجتمعي عبر خطابات قائمة على ثنائية “نحن” و“هُم”. وأشارت الدراسة إلى أن القوى المتصارعة استخدمت تغليفاً دينياً وطائفياً للصراع بهدف الحشد وتبرير استمرار المواجهات.
ورغم قتامة المشهد، رصدت الدراسة تمثّلات إيجابية لدى الطلبة بشأن مستقبل الهُوية الوطنية، لكنها ربطت ذلك بإعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية، ووقف الحرب، وتفعيل مصالحة وطنية شاملة تعيد الاعتبار للمؤسسات العامة.
وقدمت الدراسة سلسلة توصيات على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبحثية، بما في ذلك تعزيز دور المجتمع المدني، وإصلاح النظام التعليمي، ومكافحة الفساد، ودعم البرامج التي تعزز الانتماء الوطني في أوساط الشباب.
الدراسة التي أشادت بها لجنة المناقشة ووصفتها بأنها “نوعية وجديرة بالتداول الأكاديمي” عُدت إضافة مهمة للمكتبة السوسيولوجية اليمنية، لما تضمنته من تحليل معمق لتأثيرات الحرب على الهُوية الوطنية في واحدة من أهم الفئات العمرية وهي فئة الشباب الجامعي.



