كتابات و اراء

خمسة عشر عاماً: حين تكون المساحة أثقل من المؤسسة

تيار نيوز_خاص

✍🏻 مشتاق هاشم العلوي

لا تُحسب سنوات المؤسسات الإعلامية في اليمن بالتقويم المدني الذي يُضاف فيه رقم إلى رقم، لكنها تُحسب بقدرة هذه المؤسسة على أن تبقى مساحة حرة في بلد تُعاد فيه إنتاج أزمة الدولة كل يوم بصيغ مختلفة، وفي بلد تتحول فيه الجغرافيا إلى سلعة سياسية تُباع وتُشترى في أسواق الإقليم والدول، وفي بلد لا يعرف فيه الإعلام الاستقلال إلا كاستثناء يؤكد القاعدة.

تلك القاعدة التي تجعل من كل صوت إما تابعاً لمحور أو خصماً له، ولا يوجد في الفضاء بين التابع والخصم أي مساحة للصوت الذي يقول الصواب حيثما كان وينتقد الخطأ أينما وجد دون أن يُصنّف في خانة الاصطفافات الجاهزة.

خمسة عشر عاماً على انطلاق “يمن شباب” لا تمثل بالنسبة لي مناسبة احتفائية أحيي فيها قناة بعينها أو أُهنئ مؤسسة بذكرى تأسيسها، وإنما هي لحظة تأمل في معنى البقاء والاستمرار في بيئة إعلامية يمنية تحولت فيها المؤسسات إلى امتدادات للأطراف المتصارعة، وتحول فيها الصحفي إلى أداة في يد الجغرافيا السياسية التي تستخدم اليمن كممر إقليمي وكمساحة للصراع بالوكالة.

ولهذا عندما أكتب هذه السطور فأنا لا أكتبها واقفًا في صف المهاجمين الذين يرون في كل مؤسسة إعلامية خصماً يجب تدميره، وإنما أكتبها من موقع الكاتب الذي وجد في هذه المنصة مساحة لمشاركة رأيه دون تحريف أو إملاء، تلك المساحة التي لا تُمنح كمفضلة وإنما تُكتسب كحق للكلمة الحرة التي لا تنتمي إلى صاحب المنصة بل تنتمي إلى الحقيقة وحدها.

إن الوظيفة الجيوسياسية للإعلام في اليمن لم تكن يوماً مجرد نقل للخبر وتغطية للحدث، بقدر ما كانت دائماً جزءاً من إعادة إنتاج أزمة الدولة، ففي بلد تتنازعه الاصطفافات وتتبدل فيه خرائط النفوذ كما تتبدل خرائط الأخبار، يصبح الإعلام إما أداة لتثبيت الأمر الواقع أو أداة لتدميره، ولا يوجد في المسافة بين التثبيت والتدمير أي وظيفة إعلامية محايدة بمعنى الكلمة، لأن المحايدة في السياق اليمني تبدو أكثر تعقيداً من التعريفات التقليدية، في حين أن الواقف على مسافة واحدة من الجميع في بلد يعيش حالة انقسام ممتد وصراعاً إقليمياً بالوكالة لا يكون محايداً وإنما يكون غائباً عن المعنى.

ولهذا فإن القرب من الناس لا يتحقق عبر ادعاء المحايدة وإنما عبر القدرة على رؤية المواطن خارج الاصطفافات، أي رؤيته كما هو لا كما يُراد له أن يكون داخل الصورة الجاهزة.

لقد مررتُ في هذه السنوات بمساحات إعلامية عديدة، بعضها كان مساحة للتعبير الحر وبعضها كان مساحة للإملاء والتحريف، وفي كل مرة كنتُ أبحث عن منصة لا تطلب مني أن أكون تابعاً لإيديولوجيا أو مشروع سياسي محدد، ولا تطلب مني أن أهاجم طرفاً بعينه كشرط للوجود، وإنما تطلب مني أن أكون كاتباً حراً يقول الصواب وينتقد الخطأ دون أن يُصنّف في خانة الموالاة أو المعارضة، تلك الخانة التي تقتل الكلمة قبل أن تولد، وتحول الكاتب إلى بغلة فكرية تحمل أحمال الآخرين دون أن تملك رؤية خاصة.

ولكن “يمن شباب” في هذه السنوات كانت تلك المساحة التي سمحت للكلمة بأن تكون كما هي، لا كما يُراد لها أن تكون، وهذا ليس تطبيلاً ولا تبعية وإنما هو وصف لحقيقة تجربة شخصية لا يمكن أن تُنكر دون أن يكون في نفيها ظلم للكلمة وظلم للمساحة التي تحميها.

إن البقاء لخمسة عشر عاماً في الإعلام اليمني ليس إنجازاً تقنياً أو إدارياً يُحتفى به بالكعك والشموع، وإنما هو إنجاز سياسي وجيوسياسي في الدرجة الأولى، لأن البقاء في اليمن يعني القدرة على المشي في طريق يتقاطع فيه الاستمرار مع القرب من الناس، ويتقاطع فيه البقاء مع عدم التحول إلى مجرد صوت آخر في الضجيج نفسه.

وهذه ليست مهمة سهلة في بيئة تتغير فيها خرائط النفوذ كما تتبدل خرائط الأخبار، وتتداخل فيها السياسة مع الحياة اليومية إلى درجة يصعب معها الفصل بين ما هو عام وما هو إنساني، ولهذا فإن القناة التي تبقى لخمسة عشر عاماً لا تبقى لأنها الأفضل تقنياً وإنما تبقى لأنها تمكنت من أن تحافظ على مساحة تسمح برؤية المواطن خارج الاصطفافات، تلك الرؤية التي لا تُباع في السوق السياسية ولا تُشترى في أسواق الجغرافيا كسلعة سياسية.

الهوية البصرية والصوتية الجديدة التي تُطلقها القناة في السادس من يونيو لا تكتسب معناها من كونها تحديثاً تقنياً يلحق بركب العصر، بل تكتسب معناها من كونها امتداداً لسؤال ظلت القناة تطرحه على نفسها طوال هذه السنوات: هل نحن قادرون على أن نرى الناس كما هم، لا كما يُراد لهم أن يكونوا داخل الصورة الجاهزة؟ وإذا كان الجواب نعم، فإن الشكل الجديد ليس إلا انعكاساً لطريقة النظر التي تغيرت أو تريد أن تتغير، وإذا كان الجواب لا، فإن كل التحديثات تصبح مجرد طبقة إضافية فوق الشيء ذاته، تلك الطبقة التي تخفي الفراغ من دون أن تملأه.

إن الخطر الحقيقي في الإعلام اليمني لا يكمن في اختلاف الروايات بين قناة وأخرى، وإنما يكمن في اختفاء الإنسان خلف كثافة هذه الروايات. ففي بلد تُعاد فيه إنتاج الحرب كل يوم بصيغ مختلفة، يصبح المواطن مجرد رقم في خبر أو صورة في تقرير أو ضحية في إحصائية.

ولا يوجد في كثافة هذه الروايات أي مساحة للإنسان الذي يعيش خارج الخطاب السياسي والعسكري الجاهز، ذلك الإنسان الذي يستيقظ كل صباح ليجد أن بلاده تتغير دون أن يكون له دور في تغييرها، وإنما يظل مجرد مشاهد لحرب يديرها الآخرون على أرضه وفي سمائه.

وبالتالي فإن أي تجربة إعلامية استمرت لخمسة عشر عاماً وظلت قادرة على تذكير المشاهد بأن هناك زاوية يمكن أن يرى منها نفسه خارج الضجيج وخارج الاصطفاف وخارج اللغة التي تُعيد إنتاج الحرب كل يوم، تكون قد قدمت لليمن أكثر مما تقدمه المؤسسات التي تملأ الشاشات بالخطابات الجاهزة.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بمناسبة بقدر ما يتعلق بفكرة أبسط وأكثر صعوبة في الوقت نفسه: أن يظل هناك في هذا البلد من يحاول أن يرى الناس كما هم، لا كما يُراد لهم أن يكونوا داخل الصورة، وأن يظل هناك من يحاول أن يقول الكلمة دون أن يكون تابعاً لأحد ودون أن يكون مهاجماً لأحد، تلك الكلمة التي لا تنتمي إلى صاحب المنصة ولا إلى صاحب السلطة وإنما تنتمي إلى الحقيقة وحدها.

وإلى أن يدرك اليمنيون أن الكلمة الحرة لا تولد من رحم البكاء على الأطلال ولا من رحم اللعن والتدنيس، بل تولد من رحم مساحة تحمي الكاتب من أن يكون تابعاً، وتحمي القناة من أن تكون سجناً، سيظل المشهد الإعلامي يدور في المسافة نفسها بين التبرير والخصومة، دون أن يقترب بما يكفي من الناس.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى